
بغداد/ عراق أوبزيرفر
لم تعد أولويات الشارع العراقي تتوقف عند حدود المطالبة بالماء والكهرباء وتحسين الخدمات، بل بدأت تتجه بصورة متزايدة نحو أصل المشكلة، والمتعلق بكيفية إدارة المال العام ومحاسبة المتورطين في هدره.
ويؤشر هذا التحول ارتفاع مستوى الوعي لدى المواطنين وتنامي إدراكهم بأن تحسين الخدمات لا ينفصل عن حماية موارد الدولة، وهو ما يمنح الحكومة الحالية فرصة مهمة لترجمة خطواتها في مكافحة الفساد إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
وهذا التحول يبدو واضحاً في طبيعة النقاشات التي تشغل الشارع، إذ لم يعد السؤال مقتصراً على سبب انقطاع الكهرباء أو تراجع مستوى الخدمات، وإنما بات يتجه أيضاً إلى الأموال التي أنفقتها الدولة على هذه القطاعات، والجهات التي تولت تنفيذ المشاريع والعقود، وما إذا كانت تلك الأموال قد أنفقت وفق الأهداف المحددة لها، الأمر الذي جعل ملف مكافحة الفساد يتقدم إلى جانب الملفات المعيشية والخدمية، وليس بعيداً عنها.
ويؤكد النائب عبد الحمزة الخفاجي، رئيس كتلة إدراك النيابية، أن “الشارع العراقي أصبح أكثر وعياً في التعامل مع الملفات السياسية والاقتصادية، باعتبار أن المواطن بات يريد رؤية إجراءات حقيقية في مواجهة الفساد وليس الاكتفاء بالتصريحات والوعود”.
وقال الخفاجي لـ”عراق أوبزيرفر” إن “المواطنين مستعدون للتأجيل ملفات ملحة مثل الخدمات بشرط أن يستمر ملف مكافحة الفساد بجدية وألا يتوقف، لأن المواطن يريد أن يرى نتائج حقيقية في مكافحة الفساد وليس مجرد تصريحات ووعود تتكرر من دون محاسبة”.
وأضاف أن “استعادة ثقة الشارع تبدأ بمصارحة الناس وفتح ملفات الفساد ومحاسبة المسؤولين عنها دون استثناء”، مشيراً إلى أن استمرار هذا المسار يمكن أن يعيد بناء العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، خصوصاً إذا انعكست نتائجه على مستوى الخدمات وحماية المال العام”.
ويأتي هذا الطرح في وقت تحاول فيه الحكومة جعل مكافحة الفساد جزءاً أساسياً من مسار عملها، عبر متابعة ملفات مالية وإدارية وإحالتها إلى الجهات المختصة، في خطوة تؤشر محاولة للانتقال من الحديث العام عن الإصلاح إلى معالجة ملفات محددة، وهو مسار يكتسب أهمية أكبر مع ارتفاع سقف توقعات الشارع بشأن قدرة الدولة على استرداد الأموال ومحاسبة المتورطين.
ويرى مراقبون أن ارتفاع الاهتمام الشعبي بالفساد لا يعني تراجع أهمية الخدمات، بل يعكس تغيراً في طريقة النظر إليها، فالمواطن الذي يطالب بماء صالح للشرب أو كهرباء مستقرة أصبح يريد في الوقت ذاته معرفة حجم الأموال التي خصصت لهذه القطاعات وكيف أنفقت، وما إذا كانت العقود والمشاريع قد حققت أهدافها، وهو ما يجعل مكافحة الفساد جزءاً من الحل الخدمي وليس ملفاً منفصلاً عنه.
وتشير هذه المعادلة إلى أن الحكومة تمتلك فرصة لإحداث تحول أوسع في العلاقة مع الشارع، خصوصاً إذا تمكنت من تحويل إجراءات مكافحة الفساد إلى نتائج معلنة وواضحة، وربطها بملفات الخدمات والاستثمار وحماية المال العام، بما يتيح للمواطن رؤية أثر مباشر للرقابة والمحاسبة على حياته اليومية.
وبينما لا تزال التحديات الخدمية والاقتصادية حاضرة بقوة، فإن تغير أولويات الشارع يمنح الحكومة مساحة جديدة للعمل، فالمواطن لم يعد يريد وعوداً إضافية بقدر ما يريد نتائج، وإذا نجحت السلطة التنفيذية – وفق خبراء – في مواصلة فتح الملفات ومحاسبة المتورطين واستعادة الأموال، فإن مكافحة الفساد قد تتحول من عنوان سياسي متكرر إلى أحد أبرز المسارات التي تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.




