
بغداد / عراق أوبزيرفر
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن العملية العسكرية الجارية “قد تستمر لأكثر من أربعة أسابيع”، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن لا تتجه نحو ضربة خاطفة بقدر ما تمضي نحو معركة ممتدة ذات أهداف استراتيجية أوسع.
هذا التصريح أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول قدرة طهران على إدارة حرب استنزاف طويلة، خصوصاً مع الحديث عن استهداف قيادات عليا ومواقع حساسة داخل البنية العسكرية والأمنية الإيرانية، وما إذا كانت هذه الضربات قادرة على إحداث خلل في منظومة التنسيق بين الحرس الثوري والجيش النظامي.
ويرى مراقبون أن الرهان في مثل هذه الحروب لا يُحسم في الأيام الأولى، بل في قدرة كل طرف على الحفاظ على تماسكه الداخلي، وإعادة تنظيم مراكزه القيادية تحت الضغط، خصوصاً إذا طال أمد المواجهة وتحولت إلى صراع مفتوح متعدد الجبهات.
قال رئيس المركز العربي – الأسترالي أحمد الياسري إن خسائر القيادة العليا في إيران لا تعني بالضرورة انهيار منظومة التنسيق بين الحرس الثوري والجيش النظامي، مشيراً إلى أن طبيعة النظام السياسي والأمني الإيراني قائمة على تعدد المستويات القيادية وإعادة إنتاج المراكز الفاعلة عند كل أزمة.
وأوضح الياسري في حديث لـ”عراق أوبزيرفر” أن الحديث عن تأثير استهداف القيادات يجب أن يُقرأ في سياقه التاريخي”، مبيناً أن “إيران منذ قيام الثورة عام 1979 واجهت موجات اغتيال وتفجيرات طالت شخصيات بارزة في الدولة، بينها قيادات من الصف الأول خلال الثمانينات، فضلاً عن خسائر كبيرة أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ومع ذلك لم يؤدِّ ذلك إلى تفكك مؤسساتها العسكرية أو انهيار بنيتها السياسية”.
وأضاف أن “التجربة التاريخية للنظام الإيراني أفرزت نمطاً من التكيّف المؤسسي مع غياب القيادات، عبر توسيع صلاحيات بعض المواقع الدستورية، وعلى رأسها منصب الولي الفقيه، بما يضمن استمرار الإشراف السياسي والعسكري في آن واحد”، لافتاً إلى أن “هذه الصيغة عززت مركزية القرار في لحظات الاستهداف والضغط الخارجي”.
وبيّن الياسري أن “المقارنة مع حركات مسلحة غير دقيقة، لأن إيران دولة تمتلك جيشاً نظامياً ومؤسسات أمنية متعددة وخبرة طويلة في إدارة الحروب التقليدية وحروب الاستنزاف” موضحاً أن “الرهان على انهيار سريع نتيجة ضربات مركزة قد لا يكون واقعياً، استناداً إلى تجارب سابقة اعتقدت فيها أطراف دولية أن طهران ستنهار سريعاً، لكنها تمكنت من إعادة ترتيب صفوفها خلال فترة قصيرة”.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن “قدرة أي دولة على الصمود لا ترتبط فقط بحجم التسليح، بل بعامل الإرادة القتالية وبنية القرار السياسي، مستشهداً بما جرى في تجارب حروب استنزاف عالمية حيث لعب طول النفس عاملاً حاسماً في موازين القوى”.
وحذر الياسري من أن “إطالة أمد الحرب في المنطقة ستنعكس سلباً على الأمن الإقليمي ككل”، مؤكداً أن “تحويل المواجهة إلى صراع مفتوح وطويل سيضع دول الشرق الأوسط أمام تحديات اقتصادية وأمنية معقدة، بغض النظر عن هوية الأطراف المنخرطة في القتال”.
وتفتح هذه القراءة الباب أمام سؤال أوسع يتعلق بمآلات المواجهة إذا تحولت فعلاً إلى حرب استنزاف تمتد لأسابيع أو ربما لأشهر، في ظل تشابك المصالح الإقليمية، واحتمال انخراط أطراف غير مباشرة في مسار التصعيد.
وإذا كانت واشنطن تراهن على إنهاك البنية القيادية وإرباك منظومة القرار، فإن طهران، بحسب هذا الطرح، قد تراهن في المقابل على عامل الزمن وطول النفس، ما يجعل المنطقة أمام اختبار غير مسبوق بين منطق “الضربة الحاسمة” ومنطق “الصمود التراكمي”.



