آراء

افلات الجناة من العقاب هو سبب تفشي الفساد

رحيم العكيلي / قاضي متقاعد يكتب لـ #عراق_اوبزيرفر

افلات الجناة من العقاب هو سبب تفشي الفساد

تتبنى التشريعات العقابية الحديثة عقوبات وتدابير من جنس الجريمة ذاتها،وتلاحق الجناة بما يحرمهم من منافع الجريمة،او تحرمهم من الانتفاع والتمتع بعوائدها،وتزيد عليها عقوبات مقيدة للحرية لا تقصد منها الانتقام منهم،بقدر ما تقصد منها ردعهم وردع غيرهم والحؤل دون تفشي ممارسات مماثلة اذا افلت هؤلاء من العقاب.
ففي الجرائم المالية-كالفساد المالي(الرشوة والاختلاس وسرقة اموال الدولة وغيرها)-التي يقصد الجاني منها الاستحواذ على اموال لا يستحقها- تفرض القوانين عقوبات مالية كبيرة(غرامات تصل لما يعادل الاموال التي استحوذ عليها)الى جانب عقوبات مقيدة للحرية اخف واقل اهمية من العقوبات المالية،اضافة الى استرداد عوائد الفساد بالمصادرة،وترهقه بدفع تعويضات كبيرة.
وهي-هنا-تتبنى عقوبات مقيدة للحرية اخف،ليست رحمة بالجاني،بل لانها تنظرة نظرة اقتصادية للموضوع،فالقوانين الحديثة لا يهمها معاقبة الجاني او الانتقام منه،بقدر ما يهمها ان لا تصرف من اموال الشعب ما لا مردود اقتصادي وعمراني منه للمجتمع،لان العقوبات المقيدة للحرية -كالحبس والسجن -تكلف الدولة نفقات كبيرة تصرفها على حبس الجناة،لا ترغب الدولة الحديثة في اهدارها على ادارة السجون وحراسها واطعام السجناء ومتطلباتهم ومنامهم وحراستهم وغيرها،لانها نفقات ضائعة،فهي لا تعمر ولا يزدهر المجتمع بها،لذا فان القوانين الحديثة تتجنبها وتحصرها في اضيق نطاق،وتفرضها في حدود ضيقة جدا بما يحقق الاهداف منها،دون زيادة انتقامية تصرف الدولة فيها ثروات المجتمع على سجون ومعتقلات .
اي ان القوانين الحديثة لا تريد ان يجبرها السراق او المختلسين خسارة امولا اضافية عليهم الى جانب ما الحقوا بها من خسائر مالية،فتحصر الخسارة في اضيق نطاق،لذلك تركز على العقوبات المالية والاسترداد والتعويض والمصادرة وتتبنى عقوبات حبس او سجن خفيفة.
انما قد يجادل البعض بان العقوبات المقيدة للحرية البالغة الشدة تردع وتمنع من السرقات والاختلاسات،الا ان تلك رؤية قصير النظر لان فاعلية العقوبة وتحقيقها لاغراضها بالردع لا تأتي من شدة العقوبة ابدا،بل تأتي من فاعلية انزال تلك العقوبات بالجناة،ولو كانت عقوبات حبس خفيفة،اما اذا تبنت القوانين عقوبات بالغة الشدة وظل السراق يفلتون من العقاب،فلا ردع ولا منع للسرقات ابدا،وهذا ما حصل في العراق منذ سنين طويلة ولا زال يحصل لحد الان،فرغم شدة العقوبات المقيدة للحرية التي تنص عليها القوانين العقابية العراقية الا ان السرقات والاختلاسات والرشاوى تزايدت بشكل مخيف حتى اصبحنا في زمن(الفرهود)لثروات البلاد واموال الدولة،فلم تمنع شدة العقوبات تزايد جرائم السرقة والاختلاس والرشوة،والسبب تراجع فاعلية انزال العقوبات بالسراق،لذلك سيكون حل ساذج وغير اقتصادي اقتراح تشديد العقوبات في تلك الجرائم،لان الحل في تفكيك اسباب افلات الجناة من العقاب وليس في تشديد العقوبات.
ان تشديد العقوبات يزيد من خسائرنا الاقتصادية- على فرض اننا سنلاحق السراق ونسجنهم- لكننا في الحقيقة حينما نشدد العقوبات فأن سنعطي فرصة لمزيد من الافلات من العقاب لان الجناة سيحرصون على توفير الحماية لانفسهم منها ويشترون انفسهم منها باي ثمن،ويتجنب القضاء الحكم الا بادلة بالغة القوة والمتانة،وتفتح شهية الفاسدين الموازين في نظام العدالة ليشاركوا السراق سرقاتهم في مقابل افلاتهم من العقاب.
الحل ليس بتشديد العقوبات المقيدة للحرية،انما هو في فاعلية انزال العقوبات بالسراق بان لا يفلت كل من سرق،ليفكر كل من يحاول السرقة بانه سيلاحق ويعاقب مثلما لوحق وعوقب من قبله،اما عقوبات مشددة لا انزل لها على السراق،فلا قيمة لها،بل انها فساد اخر،وافساد لنظام العدالة.
#رحيم_العكيلي – قاضي متقاعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى