
بغداد/ عراق أوبزيرفر
في لحظة عربية مثقلة بالأزمات والتصدعات، تَصدّرت غزة جدول أعمال القمة العربية الرابعة والثلاثين في بغداد، ليس فقط كأولوية إنسانية، بل كاختبار حقيقي لمدى قدرة الدول العربية على تجاوز خلافاتها وتقديم موقف موحّد أمام واحدة من أكثر القضايا احتداماً في التاريخ المعاصر.
وبينما تتعالى أصوات الفلسطينيين تحت وقع المجازر المستمرة، بدا المشهد في بغداد محاولةً لإعادة الاعتبار لفكرة “التضامن العربي”، ولو على الورق.
ولم يكن حضور الزعماء العرب مجرّد بروتوكول، بل جاء في سياق تتسارع فيه التحولات الإقليمية، ويتعمّق فيه الانقسام الدولي حول الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث حاول العراق أن يقدّم نفسه كمنصّة للوساطة مستفيدًا من موقعه الجغرافي وتوازناته السياسية، ليطرح نفسه كصوت معتدل قادر على تدوير الزوايا الحادّة، وفتح قنوات عربية ـ عربية.
وشكّل العدوان الإسرائيلي على غزة نقطة الارتكاز الرئيسية في مسودة “إعلان بغداد”، حيث دعا البيان إلى وقف فوري للعدوان، ورفض أي مشاريع ترمي إلى تهجير السكان أو تقويض الحقوق الفلسطينية، كما شدد على دعم كامل لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وحق العودة والتعويض للاجئين.
وأكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، في مؤتمر صحفي، أن “قمة بغداد ستدعم ما خرجت به قمة القاهرة الأخيرة، بما في ذلك إعادة إعمار غزة وتمكين السلطة الفلسطينية من إدارة القطاع”. وأضاف أن “العراق يعتبر القضية الفلسطينية هي أولى أولويات هذه القمة، ولا يمكن تجاوزها في أي سياق عربي أو إقليمي”.
الحرب الاسرائيلية
ويسعى العراق إلى استثمار هذا الحدث التاريخي لترسيخ صورته كدولة قادرة على لعب دور الوسيط في النزاعات الإقليمية، والمبادِرة في تقديم حلول عربية مشتركة، بعيداً عن الاستقطاب الدولي.
وأكد مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، أن “القمة تمثل فرصة لإعادة التوازن في المواقف العربية، وإنقاذ ما تبقى من التضامن العربي تجاه القضية الفلسطينية”، مبينًا أن “تحقيق السلام العادل في غزة هو التحدي السياسي الأول في أجندة الاجتماع”.
وأوضح فيصل في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر”، أن “الحرب الإسرائيلية الأخيرة أودت بحياة أكثر من 60 ألف شهيد، ودمّرت البنى التحتية بشكل واسع، ما يستوجب تحركاً عربياً ودولياً عاجلاً”.
ودعا إلى “صياغة استراتيجية عربية واضحة للتعامل مع الملف الفلسطيني، وتعزيز التعاون مع القوى الدولية الكبرى، مثل الولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا، والصين”.
غرفة تنسيق أمني
وتضمن “إعلان بغداد” دعوة لإنشاء مراكز عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب والمخدرات، وتأسيس غرفة تنسيق أمني عربية، إلى جانب مشروع “مجلس تعاون اقتصادي” لتعزيز التكامل العربي.
وشارك في القمة عدد من أبرز الزعماء العرب، بينهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، إلى جانب ممثلين رفيعي المستوى من السعودية، الإمارات، وسوريا.
ورغم هذا الحضور اللافت، لم تخلُ القمة من محاولات للتشويش من قبل أصوات سياسية داخلية، ركزت على الكلفة المالية للحدث، ومحدودية التمثيل لبعض الدول، إلا أن الحكومة العراقية أكدت أن بغداد حققت أعلى مستوى من الحضور الدبلوماسي الممكن، عبر تنسيق استمر لأسابيع.




