تحليلاتخاص

من التلفريك إلى النيران.. التسلية في العراق تتحوّل إلى كوابيس ومدن الألعاب “موت محتم”

بغداد/ عراق أوبزيرفر

يثير تكرار الحوادث الخطيرة في مدن الألعاب والمرافق الترفيهية العراقية موجة متصاعدة من الغضب الشعبي والقلق الحقوقي، في ظل ما يصفه مختصون بـ”فشل الدولة” في ضمان الحدّ الأدنى من إجراءات السلامة العامة، وغياب الرقابة الفنية المستمرة.

وتحوّلت هذه الحوادث، التي كان أشهرها سقوط مواطن من عربة تلفريك في مدينة بابل، إلى مؤشر صارخ على هشاشة البنية التحتية للمدن الترفيهية، وعدم أهلية العديد منها لاستقبال العائلات، خاصة في ظل ضعف إجراءات الترخيص، وغياب فرق الإشراف والفحص الفني، وتردّي معايير التشغيل والسلامة.

وفي حادثة جديدة تضاف إلى سجلّ الإهمال، أفاد مصدر أمني في محافظة ديالى، باندلاع حريق داخل مدينة ألعاب في قضاء المقدادية شمال شرقي المحافظة خلال العيد، ما أثار حالة من الذعر بين رواد المكان، ودفع السلطات الأمنية وفرق الدفاع المدني إلى استنفار واسع لإخلاء المنطقة والسيطرة على النيران.

أما في كربلاء، فقد شهدت مدينة الألعاب المركزية في المحافظة حادثًا مروعًا قبل نحو شهرين، تمثّل بانهيار إحدى الألعاب وسقوطها، ما أسفر عن إصابة سبعة أشخاص، غالبيتهم من النساء والأطفال، في حادثة أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول صيانة هذه المنشآت ومتابعة حالتها الفنية بشكل دوري.

ويرى مراقبون أن تكرار هذه الحوادث لا يمثل فقط خللًا في البنية التحتية للمرافق الترفيهية، بل يكشف عن إهمال واضح من قبل الجهات المسؤولة عن تنظيم ومراقبة هذا القطاع، ويهدد بفقدان ثقة الجمهور بهذه المواقع، التي يُفترض أن تكون ملاذًا آمناً للعائلات لا ساحة محتملة للخطر.

خلل هيكلي

بدورها، حذّرت الحقوقية أنوار داود الخفاجي، من تداعيات تكرار الحوادث في مدن الألعاب، معتبرة أن الخلل أصبح “هيكليًا” ويستدعي تدخلاً تشريعيًا وتنفيذيًا عاجلاً.
وأوضحت الخفاجي، في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر”، أن “الحوادث لم تعد استثناءً، بل باتت تتكرر في أكثر من محافظة، سواء في ألعاب الهواء المفتوح أو عربات التلفريك أو المراجيح المتحركة، وكلها نتيجة مباشرة لغياب الرقابة الفنية، وتقصير الجهات المعنية بالفحص الوقائي للمعدات والمنشآت”.

وأضافت أن “العديد من هذه المدن لا تمتلك كوادر مدرّبة على معايير السلامة، ولا تلتزم بإجراء صيانة دورية للمعدات، كما أن غياب التعليمات الإرشادية للزوار داخل المدن الترفيهية يجعل من الأخطاء الفردية عاملًا إضافيًا لتضخيم الخطر”.

ودعت الخفاجي إلى “إعادة تقييم شامل لآليات منح التراخيص للمرافق الترفيهية، بحيث تُربط الموافقات بإجراء فحوص فنية دورية من قبل لجان هندسية متخصصة، مع نشر نتائج هذه الفحوص بشفافية أمام الجمهور”.

كما شددت على “ضرورة تفعيل أدوات المساءلة القانونية بحق المقصرين، سواء من أصحاب الشركات المشغلة أو الجهات الحكومية التي تمنح التراخيص دون تدقيق كافٍ”، لافتة إلى أن “القانون العراقي يتيح للضحايا وذويهم تقديم شكاوى جنائية والمطالبة بتعويضات مدنية، في حال ثبت وجود إهمال أو تقصير”.

وتبرز هذه الحوادث كجزء من مشهد أوسع يعاني فيه العراق من ضعف في الرقابة المؤسسية، سواء في القطاعات الخدمية أو السياحية أو حتى الصحية.

ويرى مختصون أن هذا الضعف ليس ناجماً فقط عن نقص في التمويل أو الكوادر، بل عن غياب الرؤية الحكومية الجادة في تفعيل مفهوم الحوكمة والمساءلة.

وبينما تتجه بعض الدول إلى تحويل مدن الألعاب إلى روافع اقتصادية وسياحية تستقطب العائلات، يبقى العراق عاجزًا عن تأمين حتى الحد الأدنى من الأمان داخل مرافقه الترفيهية، ما يضع علامات استفهام كبرى على جدية الحكومة في حماية أرواح المواطنين، ومحاسبة من يستهتر بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });