
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تؤكد المؤشرات الرسمية إلى تفاقم ظاهرة الهدر في الطاقات البشرية داخل العراق، في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين، وتراجع فرص الاستفادة من الكفاءات العلمية في سوق العمل المحلي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على اتساع موجة هجرة العقول إلى الخارج.
ووفقًا لوزارة التخطيط العراقية، بلغ عدد العاطلين عن العمل في البلاد حوالي 5 ملايين شخص، بينهم أكثر من 800 ألف من خريجي الجامعات، يتوزعون على تخصصات تشمل كليات التربية، والهندسة، والزراعة، والعلوم، التي تشهد إقبالاً واسعًا من الطلبة سنويًا دون وجود خطط تشغيل كافية.
وتتوقع الوزارة أن يتخرج ما يقارب 2.5 مليون طالب بشكل تراكمي من الكليات والمعاهد الحكومية والأهلية في العراق خلال الفترة من عام 2025 وحتى عام 2030، إلى جانب نحو 160 ألف خريج في الدراسات العليا، ما يرفع التحديات المرتبطة بسوق العمل واستيعاب الكفاءات الجديدة.
وتقول مصادر رسمية إن هذه الأرقام تعكس اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات القطاعات الاقتصادية والخدمية، وهو ما يدفع العديد من الخريجين إلى البحث عن فرص في الخارج، أو البقاء بلا عمل لفترات طويلة.
وكانت وزارة الهجرة والمهجرين قد أطلقت قبل عدة أشهر استمارة إلكترونية خاصة بمسح الكفاءات العراقية في المهجر، بهدف إجراء إحصاءات دقيقة عن أعدادهم وتخصصاتهم، واستكشاف إمكانية استقطابهم للعمل أو التعاون عن بُعد، في ظل الحاجة المتزايدة للخبرات داخل البلاد.
وتاريخياً، مرت ظاهرة هجرة الكفاءات العراقية بعدة مراحل، أبرزها خلال الحروب في الثمانينيات، والحصار الدولي في التسعينيات، ثم الغزو الأميركي في 2003 وما أعقبه من اضطرابات أمنية وصراعات طائفية بين عامي 2006 و2008، ما دفع الآلاف من العلماء وأساتذة الجامعات والطيارين والأطباء إلى مغادرة البلاد.
وعلى الرغم من دعوات حكومية سابقة لعودة الكفاءات المهاجرة، مقابل وعود بتوفير الحماية وفرص العمل، إلا أن تلك المساعي لم تنجح في إيقاف الهجرة، ولا في خلق بيئة جاذبة للعقول داخل العراق.
في هذا السياق، حذر النائب محمد عنوز من “استمرار هدر الموارد البشرية في العراق، حيث أن العديد من الكفاءات العلمية والمهنية التي تستثمر فيها الدولة والأسر تُهدر بسبب غياب آليات فعالة للاستفادة منها داخل البلاد، مما يؤدي إلى هجرة المواهب أو بقائها دون استثمار مناسب”.
وأوضح عنوز في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “نحن نستثمر جهداً ومالاً في إعداد الطاقات، وأهاليهم يصرفون أموالاً على تعليمهم، ليصبحوا متميزين، أو الدولة تتحمل تكاليف تعليمهم، ولكنهم لا يُستفاد منهم، بل يهاجرون أو يبقون دون عمل، وهذه خسارة كبيرة للمجتمع والدولة”.
وأكد أن “الهدر لا يقتصر على الجوانب المالية فقط، بل يشمل العقول والطاقات التي تمثل استثماراً ضائعاً”، مضيفاً “هل نعتقد أن الهدر هو فقط المال؟ العقل أيضاً استثمار ضائع، وهذه المشكلة متكررة”.
ودعا عنوز إلى “تبني رؤية جديدة وإحساس جماعي يهدف إلى النهوض بالمجتمع بشكل متكامل، بعيداً عن المصالح الفردية، مع ضرورة وضع استراتيجيات واضحة لتحسين بيئة العمل وتوفير فرص مناسبة لاستثمار الموارد البشرية والحد من هجرة الكفاءات التي تهدد مستقبل العراق”.



