
بغداد/ عراق أوبزيرفر
لم تعد حرائق العراق مجرد أرقام تُسجّل ضمن بيانات الدفاع المدني، بل تحوّلت إلى مأساة مستدامة تتكرّر بصيغ مختلفة، وتستنزف أرواح المواطنين في مستشفيات ومولات وقاعات مناسبات، وسط تساؤلات مؤلمة عن آلية المحاسبة، ومن سيُقدم للعدالة.
فاجعة مدينة الكوت، التي وقعت فجر الخميس ، وأسفرت عن مصرع 61 شخصاً وإصابة العشرات، أعادت إلى الواجهة جدلًا واسعًا حول التقصير الحكومي، وانعدام الرقابة، وغياب المحاسبة القضائية الرادعة، لا سيما مع تكرار النمط ذاته من الإهمال والعشوائية في التخطيط والرقابة.
ورغم إعلان السلطات فتح تحقيق في الحادث، فإن تجارب العراقيين السابقة مع حوادث مشابهة – من مستشفى ابن الخطيب إلى قاعة الحمدانية – تثير شكوكًا عميقة بشأن جدية التحقيقات ومدى مساءلة المسؤولين الحقيقيين، وليس الموظفين الصغار أو “أكباش الفداء”.
مسار التحقيقات
وفي هذا السياق، يرى الخبير القانوني علي التميمي أن “الحادث يفتح عدة مسارات للملاحقة الجنائية والمدنية، قد تطال أطرافاً متعددة، من صاحب البناية إلى أعلى المسؤولين، وفق القوانين العراقية النافذة”.
وقال التميمي في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” إن “الجهات التحقيقية يجب أن تستعين بخبراء الأدلة الجنائية لرفع مخلفات الحريق وتحليلها فنيًا لمعرفة السبب الحقيقي، خاصة بعد الحديث عن احتراق مكيف كمصدر أولي للحريق”.
وأضاف، “من الضروري الاطلاع على حالة أجهزة الإطفاء وصلاحية قناني الغاز، والتدقيق في مدى التزام المبنى بقانون الدفاع المدني رقم 44 لسنة 2013، لاسيما المواد من 29 إلى 35، التي تُلزم أصحاب المباني بالحصول على موافقات أصولية من مديرية الدفاع المدني قبل التشييد، وتقديم تقارير سنوية عن جاهزية منظومات السلامة”.
وأوضح التميمي أن التحقيق يجب أن يشمل “الاستماع إلى شهود الحادث لتحديد ما إذا تم تشغيل أجهزة الإطفاء، وإن كانت هناك مخارج طوارئ فعالة، أو وجود مواد قابلة للاشتعال قرب الحريق مثل البنزين أو الكاز، ما يزيد من حجم المسؤولية”.
وأكد أن “المادة 343 من قانون العقوبات العراقي تنص على الإعدام إذا ثبت وجود تعمّد في إشعال الحرائق التي تسبّبت في وفيات، بينما تُحدّد المادة 342 السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات في حال كان الحادث نتيجة إهمال جسيم أدى إلى الوفاة”.
وكانت مديرية الدفاع المدني قد أصدرت سابقاً تحذيرات متكررة من تزايد الحرائق بسبب ارتفاع درجات الحرارة، غير أن فاجعة الكوت كشفت ضعف المنظومة الرقابية، وانعدام الجاهزية، ما يجعل من كل تحذير سابق أقرب إلى التنصل من المسؤولية منه إلى خطة استباقية.
ويُجمع قانونيون على أن أخطر ما في هذه الحوادث ليس فقط حجم الضحايا، بل غياب الردع الذي يضمن عدم التكرار، إذ لم تُصدر الجهات المعنية حتى الآن أحكامًا رادعة في أغلب حوادث الحريق الكبرى، ولم يُحاسَب مسؤولو الخط الأول في المؤسسات التي تمنح التراخيص، أو تتغاضى عن التفتيش والمراقبة.




