
بغداد / عراق أوبزيرفر
في بلد يعاني اصلا من وطأة التغيرات المناخية وتراجع المساحات الخضراء، تبرز ظاهرة “التحطيب” – أو ما يعرف بسوق الحطب – كخطر بيئي متصاعد يهدد النظم البيئية والزراعية في العراق، لاسيما مع الإقبال المتزايد على لحوم الشواء التي تتطلب كميات هائلة من الفحم المستخرج من أخشاب الأشجار.
ويؤكد الخبير البيئي خالد سليمان أن “سوق الفحم المحلي في العراق يعتمد بشكل مقلق على مصادر محدودة داخلية، مما يدفع إلى قطع الأشجار، خصوصا أشجار الزيتون، لاستخدامها في إنتاج الفحم، وسط غياب بدائل مستدامة أو رقابة فعالة”.
ويشير سليمان في حديث خص به “عراق اوبزيرفر”، إلى أن “هذه الممارسات تُفاقم من أزمة البيئة العراقية من عدة نواح: فأولًا، التحطيب الجائر يتسبب بإزالة مساحات خضراء حيوية يحتاجها العراق بشدة، كونه من أكثر الدول تأثراً بتداعيات التغير المناخي. وثانيًا، تعد أشجار الزيتون من الأنواع المثمرة ذات الفائدة الزراعية والاقتصادية العالية، إذ يمكن أن تستخدم لتحقيق الاكتفاء الذاتي بدلًا من الاستيراد من دول مثل تركيا وسوريا، لاسيما أن مناطق مثل سهل نينوى تمتلك تربة مثالية لزراعتها.
وثالثًا، يضيف سليمان، أن “اقتلاع أشجار الزيتون لا يعني فقط خسارة محصول محلي، بل تدمير تربة غنية وتحويلها إلى أراضٍ جرداء، مما يسرع من وتيرة التصحر ويفقد العراق أحد أهم مصادر تنوعه الأحيائي”. أما رابعاً، فإن عملية حرق الفحم بحد ذاتها تساهم بشكل مباشر في زيادة الانبعاثات الكربونية، نتيجة توليد كميات كبيرة من غاز ثاني أوكسيد الكربون، وهو أحد أبرز مسببات ظاهرة الاحتباس الحراري.
وبينما لا تزال هذه الممارسات تُنفذ في الخفاء أو في وضح النهار دون رقابة مشددة، يحذر المختصون من أن استمرار تجاهلها قد يؤدي إلى أضرار لا يمكن إصلاحها، سواء على صعيد البيئة أو الزراعة أو حتى الأمن الغذائي في العراق.
وكشفت وسائل إعلام محلية، نقلًا عن ناشطين بيئيين، أن أحد المزارعين في بعشيقة قام بتجريف بستان زيتون بالكامل، يقدر عدد أشجاره بأكثر من 200 شجرة معمرة مزروعة على مساحة دونمين.
ووفقًا لأحد الناشطين، فإن صاحب البستان تعمد قطع المياه عن الأشجار لتجفيفها تمامًا قبل قطعها، بهدف بيع الخشب. وتُقدّر كمية الأخشاب المقطوعة بحمولة 150 سيارة نقل حطب، بيعت لأحد مطاعم السمك في المدينة، والذي أعلن بنفسه عن شرائه لهذه الكمية.
من جهتها، أعلنت مديرية بيئة نينوى، عن إيقاف عمليات القطع الجائر لأشجار الزيتون في ناحية بعشيقة شرقي الموصل، واتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين.
وقال مدير بيئة نينوى سنان صبحي علي، إن “فرق المديرية أوقفت عمليات قطع جائر وعشوائي لأشجار الزيتون في منطقة الفاضلية ضمن ناحية بعشيقة، بعد ورود بلاغ موثق بفيديو يُظهر قيام بعض المزارعين بقطع وبيع هذه الأشجار لأصحاب مطاعم شواء السمك”.
وأوضح أن “فريقاً من شعبة النظم البيئية الطبيعية، وبمشاركة ممثل عن شعبة زراعة بعشيقة ومختار المنطقة، أجرى كشفاً ميدانياً، وتم خلاله رصد تجاوزات واضحة على بساتين الزيتون وعمليات تقطيع غير قانونية للأشجار”.
وأضاف أن “اللجنة المعنية أوقفت المخالفات فوراً واتخذت إجراءات قانونية، من بينها استحصال تعهدات خطية من المزارعين بعدم تكرار هذه التصرفات، التي تُعد مخالفة صريحة للضوابط البيئية وتُشكل تهديداً للغطاء النباتي”.
وأكد صبحي أن “هذه الخطوة تأتي ضمن الدور الرقابي للمديرية وحرصها على حماية الموارد الطبيعية والنظم البيئية”، داعياً المواطنين إلى “التعاون والإبلاغ عن أي تجاوزات بيئية تهدد استدامة المساحات الخضراء في نينوى”.
ولم تتوقف فاجعة قطع أشجار الزيتون في ناحية بعشيقة عند حدود الخسارة البيئية والاقتصادية، بل كشفت تقارير عن أن من بين الأشجار التي طالتها يد الجشع، أشجار معمرة يتجاوز عمرها الـ 200 عام.
والخلاصة فان هذه الظاهرة تُظهر الحاجة الملحّة لتفعيل القوانين البيئية، وزيادة الوعي بأهمية الحفاظ على الثروة النباتية، وتشديد الرقابة على الأسواق التي تتعامل مع الأخشاب غير المشروعة.




