العراقالمحررخاصرئيسية

بغداد تحرق وقود أسواقها العشوائية في معركة التنظيم: مئات العائلات بين وعود البدائل وشبح البطالة

بغداد / عراق اوبزيرفر

منذ أسابيع، تشهد العاصمة بغداد واحدة من أوسع الحملات البلدية لإزالة الأسواق العشوائية والبسطات غير النظامية في شوارعها المكتظة، في خطوة تقول الحكومة إنها تهدف إلى إعادة النظام العمراني للمدينة وتخفيف أزمات المرور، لكنها في الوقت نفسه تثير مخاوف آلاف العائلات التي تعتمد على هذه الأسواق كمصدر رئيسي للرزق.

الخبير الاقتصادي ضياء المحسن يفسر الحملة بأنها جزء من جهود الحكومة العراقية وأمانة بغداد لإعادة تنظيم المدينة وتحسين مظهرها الحضاري.

ويضيف في حديثه لـ”عراق أوبزيرفر”: “هناك أهداف متعددة للحملة، فهي تهدف إلى تحسين المشهد الحضري بعد أن ساهمت الأسواق العشوائية في تشويه مظهر العاصمة، فضلاً عن عرقلة حركة المشاة والمركبات وزيادة التلوث البصري والبيئي”.

ويشير المحسن إلى أن هذه الخطوة ستسهم في تسهيل حركة المرور بعد أن تحولت البسطات والأكشاك إلى عائق يومي أمام السيارات، إضافة إلى أنها تفتح الطريق أمام مشاريع البنية التحتية الكبرى التي طالما اصطدمت بتجاوزات الأسواق على شبكات الطرق والمجاري والكهرباء.

لكن الخبير ذاته يلفت إلى البعد الاجتماعي والاقتصادي للحملة، موضحاً أن الظروف المعيشية القاسية وارتفاع معدلات البطالة دفعت كثيراً من الأفراد إلى نصب بسطات غير رسمية لتأمين دخل لأسرهم. ويضيف: “من دون حلول بديلة، قد تتحول الإزالة إلى عبء مضاعف على هؤلاء الباعة الذين يواجهون صعوبة في إيجاد فرص عمل بديلة”.

وعود حكومية بالبدائل

في المقابل، تحاول أمانة بغداد إظهار صورة مختلفة هذه المرة، إذ يؤكد مدير عام دائرة العلاقات والإعلام فيها محمد الربيعي أن الحكومة وضعت لأول مرة حلولاً عملية وبدائل متكاملة لهذه الأسواق، بعيداً عن النهج السابق الذي كان يكتفي بالإزالة فقط.

الربيعي أوضح في حديث تابعته ” عراق اوبزيرفر”، أن اجتماعاً مشتركاً عقد مؤخراً بين مكتب رئيس الوزراء وأمانة بغداد والوكيل البلدي وبلديتي الشعب والصدر الأولى، جرى خلاله تخصيص موقع بديل لسوق شلال على قطعتي أرض تابعة لوزارة المالية بمساحة ثمانية دونمات.

ووفقاً للربيعي، أنجزت دائرة التصاميم مخططاً يتضمن أكثر من 448 محلاً تجارياً بمساحة (2×2 متر) للمحل الواحد، ستؤجر بإيجارات بسيطة وتحت إشراف أمانة بغداد، فيما ستتولى دائرة المشاريع أعمال البناء.

ويوضح أن المشروع الجديد سيعيد فتح شوارع مغلقة منذ أكثر من عشرين عاماً، مع توفير وحدات صحية، ومداخل متعددة من الجهات الأربع، إضافة إلى منافذ منظمة للبضائع وإجراءات وقائية ضد الحرائق.

هذه الوعود، إذا ما تحققت، قد تشكل نقلة نوعية في طريقة تعامل الحكومة مع ملف الأسواق العشوائية، بعد عقود من سياسات اقتصرت على الهدم دون توفير بدائل. لكن في الشارع البغدادي، لا يزال القلق سائداً.

الشارع البغدادي منقسم بين من يرحب بالحملة بوصفها خطوة لإنهاء الفوضى التي شوهت المدينة، ومن يتخوف من أن تتحول إلى أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة أزمات اقتصادية واجتماعية يعيشها العراقيون.

بين مريدي والحي

أمانة بغداد بدأت فعلياً بإزالة سوق مريدي وسوق “الحي الكورد” في مدينة الصدر، وهما من أكبر الأسواق العشوائية وأكثرها ازدحاماً. ووفق ما أعلنته البلدية، فإن الهدف هو فتح الطرق العامة وتسهيل حركة السير، إلى جانب إعادة تنظيم الأسواق بما يخدم سكان المنطقة.

سوق مريدي تحديداً له رمزية خاصة في الذاكرة الشعبية البغدادية، فهو ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل تحول منذ عقود إلى فضاء اجتماعي وثقافي يعكس حياة المدينة.

اما سوق الحي الكورد فقد ارتبط اسمه بالتجاوزات الكبيرة التي أغلقت الشوارع وحالت دون تنفيذ مشاريع خدمية. إزالته، بحسب المسؤولين، تمثل اختباراً لجدية الحكومة في المضي نحو تنظيم شامل، لكن نجاح التجربة سيتوقف على توفير البدائل الموعودة.

الحملة الأخيرة في بغداد أعادت النقاش حول جدلية التنظيم مقابل البعد الاجتماعي، فبينما تصر الحكومة على أن تطبيق القانون ضرورة لإنهاء الفوضى وتحقيق مظهر حضاري يليق بالعاصمة، يرى خبراء أن أي إصلاح لا يضع في اعتباره الجانب الاقتصادي للمواطنين سيبقى ناقصاً.

الخبير ضياء المحسن يلخص الأمر بالقول: “الإزالة وحدها لا تكفي، لا بد من حلول اقتصادية تراعي واقع الناس، وإلا فإن الحملات ستفشل كما فشلت سابقاً”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });