
بغداد / عراق اوبزيرفر
يشهد العراق في المرحلة الراهنة تحولات جوهرية على صعيد قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إذ تتلاقى الرؤى الحكومية مع آراء الخبراء والمتخصصين لتأكيد أن الرقمنة لم تعد ترفاً تقنياً، بل باتت عصباً رئيسياً للتنمية الاقتصادية والأمن المعلوماتي وبناء بيئة استثمارية جديدة.
الخبير الرقمي علي جميل يرى أن ما يمر به العراق اليوم يمثل “ثورة معلوماتية حقيقية” ترتكز على حضور شركات القطاع الخاص الوطنية والعالمية، باعتبارها الضامن لتوفير بيئة رقمية وخدمات اتصالات عالية الجودة وفق المعايير الدولية. ويؤكد أن استقطاب شركات رصينة في مجال الاتصالات والمعلوماتية يفتح المجال لمنافسة متوازنة، تمنح المستخدم العراقي خيارات متعددة وتحفز على تحسين مستوى الخدمات، وهو ما يتماشى مع طموحات الشعب المتجه نحو الرقمنة والريادة الرقمية ضمن مشاريع التحول الوطني الكبرى.
ويضيف جميل أن دخول شركات جديدة إلى هذا القطاع الحيوي لا يعني مجرد إضافة تجارية أو تشغيلية، بل هو استثمار في المستقبل الاقتصادي للبلاد، لكونه “ثروة غير محدودة عابرة للحدود” يمكن أن تشكل علاجاً للأزمات الاقتصادية المزمنة. فزيادة الإيرادات غير النفطية واستثمار الطاقات الشبابية المبدعة في المجال الرقمي، يضع العراق في موقع متقدم بين الدول الراكبة لموجة “الطوفان المعلوماتي العظيم”، كما وصفه الخبير.
التوقيع الإلكتروني.. ركيزة للأمن والتحول الرقمي
في السياق ذاته، جاءت تصريحات رئيس هيئة الإعلام والاتصالات، نوفل أبو رغيف لتترجم هذا التوجه على أرض الواقع من خلال إطلاق مشروع التوقيع الإلكتروني، حيث اعتبره “خطوة استراتيجية مسؤولة” نحو عراق رقمي آمن. وأوضح خلال مؤتمر “تفعيل التوقيع الإلكتروني لدعم الدفع الإلكتروني” أن المشروع يسعى إلى ربط منظومة الدفع الإلكتروني بالتوقيع الرقمي، بما يعزز الثقة والشفافية في المعاملات المالية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الأمان الرقمي.
وأشار أبو رغيف إلى أن هذا التحول يتطلب شراكات استراتيجية مع مزوّدي خدمات البنية التحتية الرقمية، بما يتيح أمام القطاع المالي حلولاً مبتكرة وأكثر سرعة وفاعلية. وأكد أن الهيئة، بوصفها الجهة المنظمة لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في البلاد، تدرك أن بناء بيئة رقمية حديثة لا يمكن أن يكتمل دون شراكة حقيقية مع شركات التكنولوجيا المالية، لتطوير خدمات آمنة تلبي احتياجات المواطن.
كما شدد على أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وأمن المعلومات يمثل الركيزة الأساسية لحماية البيانات وضمان الثقة في المنظومة الجديدة. وأكد أن نجاح المشروع مرهون بتوافق وطني حول أولويات التحول الرقمي، والانفتاح على التجارب والممارسات العالمية مع مراعاة خصوصية العراق واحتياجاته المحلية.
الإطار القانوني.. قانون رقم 78 لسنة 2012
ولم يغفل أبو رغيف الجانب التشريعي، حيث ذكّر بالتزام الهيئة بتعزيز تطبيق قانون التوقيع الإلكتروني رقم 78 لسنة 2012 وتعليماته التنظيمية المحدثة، باعتباره المرجع القانوني الذي يمنح الشرعية والموثوقية للمنظومة الرقمية. وأكد أن الهيئة ستكون داعمة لهذا التحول بالتعاون مع الشركاء في القطاعين العام والخاص، وكذلك عبر الشراكة مع المجتمع الدولي، من أجل بناء بيئة رقمية آمنة تواكب التحولات العالمية وتخدم الاقتصاد الوطني.
انعكاسات اقتصادية وتنموية
بحسب خبراء، فإن هذه الخطوات مجتمعة – من فتح السوق أمام شركات رصينة إلى تفعيل التوقيع الإلكتروني – تمثل معالم إستراتيجية جديدة قد تغير وجه الاقتصاد العراقي. فالعوائد لا تتوقف عند تحسين الخدمات أو تسهيل المعاملات، بل تتعداها إلى تحفيز بيئة استثمارية واعدة تستقطب رؤوس أموال محلية وأجنبية، وتدعم جهود الحكومة في تعظيم الإيرادات غير النفطية.
ورغم هذا الزخم، فإن الطريق أمام العراق لبناء منظومة رقمية متكاملة ليس مفروشاً بالورود. فهناك تحديات تتعلق بالبنية التحتية الحالية، وضعف الثقة المجتمعية بالتعاملات الرقمية، إضافة إلى الحاجة لمزيد من التشريعات المرنة التي تواكب التطور السريع للتكنولوجيا.
غير أن المؤشرات، وفق ما يراه مراقبون، توحي بأن العراق يقف اليوم على أعتاب مرحلة فارقة، حيث تتقاطع مصالح الدولة مع القطاع الخاص ومع المجتمع الدولي لبناء بيئة رقمية آمنة. وهو ما يفتح الباب أمام تحولات كبرى قد تضع العراق ضمن الدول الرائدة في مجال الرقمنة إذا ما استثمر الفرصة بشكل صحيح.
السوداني يعلن الموافقة رسمياً
اليوم، وافق رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، على إطلاق العمل بالتوقيع الإلكتروني لمؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمواطنين، وذلك تنفيذاً لقانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية رقم (78) لسنة 2012 وتعليماته الصادرة سنة 2025، حيث أجرى سيادته والسيدة وزيرة الاتصالات اول عمليتي توقيع إلكتروني رسمي.
وأكد السوداني أن هذا الإجراء يمثل خطوة مهمة في تنفيذ أحد أهم التزامات الحكومة الواردة في برنامجها الحكومي بالتحول الرقمي والأتمتة وتبسيط الإجراءات، لأثرها البالغ على تقديم الخدمة للمواطنين، والحد من الفساد الإداري والمالي والروتين الذي يرافق سير المعاملات الورقية.
وأوضح رئيس مجلس الوزراء أن هذا الإجراء، المعترف به رسمياً على المستوى العالمي، يعزز ثقة المواطن بإجراءات الدولة ومؤسساتها في اعتماد هذا النوع من المعاملات الرقمية والحكومية التي ستشمل كل معاملات الدولة والقطاع الخاص، مثنياً على جهود وزارة الاتصالات التي هيأت متطلبات إنجاز هذه الخطوة، بتهيئة مراكز البيانات أو تدريب الملاكات المتخصصة لتسهيل التنفيذ.
وأشار السوداني إلى أن الحكومة تسير بعدة اتجاهات في مجال التحول الرقمي، سواء على صعيد تأسيس الهياكل الإدارية والمراكز المتخصصة وجذب الكفاءات والتوجه نحو اعتماد الوسائل الإلكترونية في تنفيذ معاملات المواطنين مع مختلف الوزارات، وصولاً إلى إجراء معاملات المواطنين وفق أحدث الطرق، وبما يحقق أهداف الحكومة في الإصلاح الإداري.



