
بغداد / عراق اوبزيرفر
في جلسة وصفت بالمهمة، يضع مجلس النواب العراقي على جدول أعماله اليوم الاربعاء، فقرة التصويت على مشروع قانون حق الحصول على المعلومة، وهو تشريع طال انتظاره بوصفه خطوة أساسية نحو الشفافية وتعزيز حرية التعبير. غير أن المشروع بصيغته الحالية أثار جدلاً واسعًا وانتقادات قانونية وحقوقية، وسط تحذيرات من أن يتحول القانون من أداة لضمان الحقوق إلى وسيلة جديدة لتقييدها.
“القانون معقد ويفتقر إلى ضمانات جوهرية”
الخبير القانوني علي التميمي أوضح أن مشروع القانون يتكون من 18 مادة فقط، لكنه يواجه مشكلات جوهرية تتعلق بالتعريفات، والإجراءات، والاستثناءات.
وبيّن التميمي في حديث لـ “عراق اوبزيرفر”، أن المعلومة وفق القانون الدولي هي حق لكل مواطن، انطلاقًا من كون الموظف يؤدي خدمة عامة للمواطن، وبالتالي من حق الناس الاطلاع على ما يجري، إذ يُعتبر الموظف “كاميرات مراقبة” تنقل ما يحدث داخل المؤسسات الرسمية.
وأضاف أن القانون الدولي والمواثيق الحقوقية، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته (19)، تنص صراحة على حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة. لكن مسودة القانون العراقي لم تحقق هذا الانسجام، إذ وضعت استثناءات طويلة تشمل الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية، فضلاً عن غياب معايير واضحة للتمييز بين المعلومات القابلة للنشر وتلك المحظورة.
وأشار إلى أن مواعيد مراجعة الطلبات التي تصل إلى 30 يومًا تُعد طويلة ومعيقة، لأن بعض المعلومات قد تفقد قيمتها مع مرور الوقت، لتصبح “بايتة” وغير صالحة للاستخدام الصحفي أو البحثي. كما أن إنشاء دائرة للمعلومات ترتبط بمفوضية حقوق الإنسان وتدار من موظف واحد يُضعف من قوة القرار، مقترحًا أن تُدار من ثلاثة موظفين على الأقل لضمان حياد أكبر.
ولفت التميمي إلى أن القانون غفل عن النص على دور منظمات المجتمع المدني والنقابات، ولم يمنح الصحفيين والإعلاميين معاملة مميزة رغم حاجتهم الملحة إلى سرعة الحصول على المعلومة، محذرًا من أن الإجراءات المعقدة والروتين “القاتل” قد يفرغان القانون من محتواه.
انتقادات حقوقية واسعة
في منتصف أيلول الماضي، أصدر المرصد العراقي لحقوق الإنسان بيانًا حذر فيه من “ثغرات خطيرة” في مشروع القانون. وقال إن الصيغة الحالية، رغم أهميتها المبدئية، تحتوي على مواد قد تفرغ الحق من مضمونه ما لم تتم مراجعتها بجدية. وأوضح أن تعريف المعلومة جاء ضيقًا، مقتصرًا على وثائق محددة، ما يستبعد أشكالاً أخرى من البيانات مثل المراسلات الإلكترونية أو التوصيات الداخلية.
وأشار المرصد إلى الاستثناءات الواسعة التي تسمح بحجب المعلومات المتعلقة بالدفاع والأمن والسياسة الخارجية والمناقصات دون معايير دقيقة، محذرًا من أن هذه الصياغات قد تتيح للجهات الرسمية التوسع في حجب المعلومات بحجة “حساسيتها”. كما انتقد ضعف آليات الطعن القانونية والغموض في مواد العقوبات التي قد تُستخدم لتقييد الصحفيين والناشطين بدلًا من حمايتهم.
أما مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية فقد عبّر عن قلقه من “محاولات تمرير القانون خلسة”، كما حدث في تجارب سابقة مع مشاريع قوانين مثيرة للجدل. وأكد أن البرلمان لم يُفصح عن النسخة المعدة للتصويت، مكتفيًا بنسخة القراءة الأولى المقدمة في شباط 2024، من دون توضيح ما إذا كانت هناك تغييرات جوهرية بعد القراءة الثانية في آب الماضي.
وبيّن المركز أن المشروع يتضمن حجب نحو 13 نوعًا من المعلومات، بينها عقود المناقصات، ويمنح الموظفين صلاحيات تقديرية لرفض الكشف عن معلومات، ما يفتح الباب واسعًا أمام التفسير الانتقائي وربما استخدامه كغطاء لحماية الفساد.
وحذّر من العقوبات التي تفرض الحبس والغرامة بحق من يفصح عن “معلومات ممنوعة”، معتبرًا أن هذا قد يعيق جهود الصحفيين في كشف ملفات فساد أو تجاوزات اقتصادية، ويجعل القانون أداة لتكميم الأفواه بدلًا من تعزيز الشفافية.
بين الطموح والواقع
تجارب عدة بلدان مثل كوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا واليابان ومصر وتونس والجزائر في تشريع قوانين مشابهة تؤكد أن مثل هذه القوانين تُعد ركيزة في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، لكنها مشروطة بوجود استثناءات محدودة وآليات طعن فعالة وسهلة، وهو ما يفتقر إليه المشروع العراقي الحالي.
ويرى التميمي أن المشروع كان يفترض أن يتسم بالتفصيل والوضوح، لا بالاختصار المخل، وأن يجعل إجراءات الحصول على المعلومة بسيطة وسريعة، لا معقدة وبطيئة. كما كان يجب أن ينص على آلية للطعن عبر هيئة قضائية مستقلة تُشكل بموجب القانون وتعمل بشكل مستعجل.




