
بغداد / عراق اوبزيرفر
في منطقة تعيش على وقع تحولات كبرى، من مشاريع الممرات الاقتصادية إلى خطط إعادة الإعمار، ومن التغيرات الجيوسياسية إلى ما يُسمّى بخطط “الشرق الأوسط الجديد”، يجد العراق نفسه أمام فرصة تاريخية وتحديات مصيرية في آن واحد. وهنا لابد من ان تكون هنالك رؤية مصرفية واقتصادية جريئة، تسعى لإخراج المصارف العراقية من خانة اللاعب الهامشي إلى موقع الفاعل الأساسي في صناعة القرار الاقتصادي وبناء بيئة استثمارية جاذبة.
شرق أوسط يتغير بسرعة
يقول الخبير الاقتصادي سيف الحلفي، في حديث لـ “عراق اوبزيرفر”، ان الشرق الأوسط يعيش اليوم تحولات عميقة، مشروعات ضخمة وممرات اقتصادية جديدة، فيما تقف بغداد على بوابة تاريخية تتطلب تغييرًا جوهريًا في طريقة إدارة القطاع المالي. فالمطلوب ليس فقط ضخ أموال أو إدخال أنظمة دفع حديثة، بل بناء رؤية قانونية ومؤسسية متكاملة تحمي التمويل وتفتح المجال أمام مبادرات التنمية. عندها فقط يمكن للعراق استثمار موقعه الجغرافي الاستراتيجي، وميناء الفاو، ومشروع طريق التنمية، فضلًا عن ثرواته النفطية والغازية والبشرية، ليصبح مركزًا ماليًا وتجارياً في قلب المنطقة.
التحدي الأول: رأس المال والإصلاح المؤسسي
الخطوة الأولى التي يشير إليها الحلفي تتمثل في رفع رؤوس أموال المصارف العراقية وتعزيز متانتها لمواجهة المخاطر، وهي خطة مضت فيها الحكومة بالتعاون مع البنك المركزي وبالاستعانة بشركة الاستشارات العالمية Oliver Wyman، حيث تقرر رفع رأس مال المصارف إلى 400 مليار دينار. هذا القرار، وإن بدا محاسبيًا في مظهره، إلا أنه يضع أساسًا جديدًا لبناء قطاع مصرفي أكثر قوة واندماجًا مع الاقتصادين الإقليمي والدولي.
ويضيف أن الإصلاح المؤسسي وتفتيت الكتل السهمية الكبيرة وإدخال الأتمتة والأنظمة الحديثة ليست كافية بمفردها، لكنها شرط لا غنى عنه للانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة المنافسة والتوسع.
التحدي الثاني: من أسر الدولار إلى التمويل المتنوع
يعترف الحلفي أن النشاط المصرفي في العراق ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على التحويلات الخارجية بالدولار. هذه الحقيقة تجعل المصارف أقرب إلى شركات صرافة كبيرة منها إلى مؤسسات تمويلية حقيقية. التجارب الدولية تؤكد أن المصارف لا تزدهر إلا حين تتحول إلى “مموّل حقيقي” للاقتصاد الوطني عبر الإقراض وتبني استراتيجيات متنوعة.
ويقترح الخبير الاقتصادي، أن يكون التوسع في خمسة مسارات أساسية: “الاول هو القروض الشخصية والإسكانية؛ لتلبية احتياجات المواطنين. والثاني يتمثل بتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بوصفها المحرك الأكبر للتوظيف والنمو. فضلاً عن قروض الشركات الكبرى خصوصًا المدرجة في سوق العراق للأوراق المالية أو الساعية للإدراج. القروض المشتركة؛ لتمويل مشاريع النفط والكهرباء والمصافي والمجمعات السكنية، شرط مرونة البنك المركزي في منح التراخيص. وخامسًا تمويل التجارة الدولية بما في ذلك الاعتمادات المستندية والمشاركة في مشاريع خارجية مثل تكرير النفط في أسواق أكثر نشاطًا”. هذه الآليات، إذا ما طُبقت بجرأة، ستفتح الباب أمام تحول نوعي في الاقتصاد العراقي بعيدًا عن “عقدة الدولار”.
التحدي الثالث: ثورة الدفع الإلكتروني
في موازاة التمويل والإقراض، يبرز الدفع الإلكتروني كركيزة أساسية في العالم المالي الجديد. الحلفي يرى أن على المصارف العراقية الإسراع في توفير منتجات مصرفية حديثة ومتنوعة، مثل بطاقات الائتمان (Credit Cards)، وبطاقات الخصم المباشر (Debit Cards)، والبطاقات مسبقة الدفع (Prepaid Cards)، وبطاقات التسديد الكامل الشهري (Charge Cards)، وحتى البطاقات المضمونة برهن أو وديعة (Secured Credit Cards). تنويع هذه المنتجات لن يسهم فقط في تعزيز الشمول المالي وتقليل الاعتماد على النقد، بل سيزيد قدرة النظام المالي على مكافحة غسل الأموال وتعزيز ثقة المستثمرين والعملاء على حد سواء.
المطلوب من الحكومة العراقية
لكن المصارف وحدها لا تستطيع خوض هذه المعركة. فالمطلوب، بحسب الخبير الاقتصادي، هو الإسراع بتشريع قوانين حديثة لحماية القروض والمعاملات الإلكترونية، إلى جانب إنشاء محاكم مصرفية متخصصة للفصل السريع في النزاعات، وتأسيس قضاء مستعجل يضمن استقرار التعاملات.
ويشدد على أهمية تأسيس نظام ضمان للقروض الصغيرة والمتوسطة (Credit Guarantee Schemes)، تشارك فيه الدولة بكفالة القروض لتقليل مخاطر التمويل، ما يشجع المصارف على الإقراض بدلًا من الركون إلى التحويلات الخارجية.
الفرصة التاريخية
المشهد إذن يحمل مزيجًا من التحديات والفرص. فمن جهة، المصارف العراقية تواجه تراكمات من الاعتماد المفرط على الدولار، وضعف رأس المال، وتأخر التشريعات. ومن جهة أخرى، يمتلك العراق موقعًا جغرافيًا فريدًا ومشروعات استراتيجية ضخمة، فضلاً عن ثروات طبيعية وبشرية قادرة على جعله مركزًا ماليًا إقليميًا إذا ما استُغلت بذكاء.
الحلفي يطرح السؤال المحوري: هل ستظل المصارف العراقية أسيرة التحويلات، أم ستتحول إلى مؤسسات تمويلية حقيقية تساهم في بناء اقتصاد متنوع ومتين؟
الإجابة، كما يبدو، لا تحتمل التأجيل. فشرق أوسط اليوم لا ينتظر المترددين، والعراق إن لم يسابق الزمن في إصلاح قطاعه المصرفي، قد يجد نفسه خارج خارطة الشرق الأوسط الجديد.




