
النجف / عراق اوبزيرفر
لم تمرّ ساعات على انطلاق الحملات الانتخابية في العراق حتى شهدت مدينة النجف حدثاً سياسياً مفاجئاً أيقظ الأوساط الحزبية والإعلامية معاً: اجتماع مقتدى الصدر بنوابه المستقيلين في مقره بالحنانة.
اجتماع لم يكن عادياً، لا بتوقيته ولا بمضمونه، إذ جاء في لحظة تعج فيها الساحة الانتخابية بالصراع على النفوذ والوجوه الجديدة، بينما يختار الصدر ــ الغائب عن الانتخابات رسمياً ــ أن يعود إلى الضوء برسالة مدروسة: “أنا ما زلت هنا، والقرار لم يغادر الحنانة”.
اجتماع في التوقيت الحرج
مصادر سياسية أكدت أن اللقاء عُقد مساء الجمعة بحضور مجموعة من النواب المستقيلين من “الكتلة الصدرية”، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للتيار داخل البرلمان قبل انسحابهم المفاجئ عام 2022.
وجاء الاجتماع ــ بحسب مراقبين ــ ليعيد ترتيب المشهد الداخلي للتيار الصدري بعد فترة هدوء امتدت لأشهر، وليُظهر أن الصدر ما زال يمسك بخيوط اللعبة السياسية رغم ابتعاده المعلن عن الانتخابات.
الاجتماع ليس عابراً
رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أكد لـ”عراق أوبزيرفر” أن الاجتماع “يحمل أهمية كبيرة من حيث توقيته المتزامن مع انطلاق الحملة الانتخابية، ما يعكس أن التيار الصدري يتابع التطورات عن قرب، عبر كتلته المستقيلة التي تمثل الذراع السياسية القريبة من زعيم التيار”.
وأضاف الشمري أن “الاجتماع منح زخماً إضافياً لتلك الكتلة، وأعاد توجيه الأنظار نحو التيار كمكوّن سياسي حيّ قادر على التأثير في مسار الانتخابات، حتى وإن لم يشارك فيها رسمياً”.
ويرى أن الصدر “ما يزال يحتفظ بخيارات مفتوحة، منها طرح برنامج إصلاحي على الحكومة والمعادلة السياسية المقبلة، أو حتى التحرك الميداني عبر الشارع بعد انتهاء الانتخابات، وهي سيناريوهات ممكنة الحدوث في ضوء المتغيرات الحالية”.
رسالة إلى الإطار التنسيقي
الشمري أشار إلى أن “الاجتماع حمل أيضاً رسالة سياسية واضحة إلى قوى الإطار التنسيقي بكل أطرافها، مفادها أن الصدر لا يزال يمتلك القدرة على تحريك المشهد متى شاء، وأن غيابه عن السباق الانتخابي لا يعني انسحابه من التأثير السياسي”.
وبحسبه، فإن “هذا الاجتماع بمثابة تذكير للإطار بأن التيار الصدري ما زال يمثل الكتلة الجماهيرية الأكبر في الشارع الشيعي، وأن أي ترتيبات سياسية أو حكومية مستقبلية لن تكون مستقرة دون احتساب موقف الصدر”.
مقاطعة الانتخابات موقف عقائدي
من جانبه، كشف النائب المستقيل إياد المحمداوي، الذي شارك في اللقاء، أن الاجتماع “شهد التأكيد على مجموعة من المرتكزات الفكرية والعقائدية التي تشكل جوهر الموقف الصدري من العملية السياسية”.
وأوضح أن “المقاطعة ليست انسحاباً أو عزوفاً مؤقتاً، بل موقف مبدئي عقائدي يعلو على المصالح السياسية الضيقة، ويرفض المشاركة في منظومة يعتبرها الصدر غارقة في الفساد والاستبداد”.
وأضاف أن “اللقاء مع السيد مقتدى الصدر أعاد التأكيد على أن الإصلاح لا يتحقق عبر صناديق اقتراع يهيمن عليها المال والسلاح، بل من خلال وعي شعبي ينهض ضد منظومة الفساد بكل أشكالها”.
تيار غائب انتخابياً حاضر سياسياً
منذ إعلان الصدر في آذار الماضي عدم المشاركة في الانتخابات، بسبب ما وصفه بـ”هيمنة الفاسدين وغياب العدالة”، بدا أن التيار في طريقه إلى الانكفاء الكامل.
لكن الاجتماع الأخير بدّد هذا الانطباع، وأعاد التيار إلى دائرة النقاش. فمواقف الصدر غالباً ما تكون مفتوحة على المفاجآت.
ويرى مراقبون أن الصدر لا يسعى الآن إلى خوض الانتخابات، بل إلى إعادة التموضع في لحظة سياسية حساسة قد تسبق جولة جديدة من التحولات، سواء على صعيد التحالفات أو شكل المعارضة السياسية داخل البرلمان المقبل.





