تحليلاتخاص

سقف الإنفاق الانتخابي في العراق.. مفوضية الانتخابات تصعّد الرقابة وتحد من إسراف الحملات لضمان نزاهة المنافسة

بغداد / عراق أوبزيرفر

أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن تحديد سقف الإنفاق الانتخابي في حملات الانتخابات المقبلة، في خطوة وصفها الخبراء القانونيون بأنها “حاسمة لضبط إيقاع المنافسة الانتخابية وحماية نزاهتها”. يأتي ذلك استنادًا إلى أحكام الفقرة (ثامناً) من المادة (10) من قانون المفوضية رقم (31) لسنة 2019، والمادة (23) من القانون رقم (4) لسنة 2023، وهو قانون التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات والأقضية رقم (12) لسنة 2018.

وأكد الخبير القانوني علي التميمي في حديث لـ”عراق أوبزيرفر” أن تعليمات مفوضية الانتخابات الخاصة بالدعاية الانتخابية رقم ٥ لسنة ٢٠٢٣ تعد خطوة مهمة لضبط الإنفاق على الحملات الانتخابية، وضمان نزاهة المنافسة بين المرشحين والأحزاب والكيانات السياسية.

وقال: “هذه التعليمات نموذجية ومتوازنة، فهي تحدد سقوف الإنفاق بشكل واضح، وتفرض رقابة صارمة، ما يمنع الإسراف الذي كان يشبه المزادات العلنية في الدورات الانتخابية السابقة”.

وحسب التعليمات، تبدأ مدة الإنفاق من انطلاق الحملة الانتخابية وحتى يوم الصمت الانتخابي، ويحدد الحد الأعلى للإنفاق للمرشح الفرد بمبلغ ٢٥٠ دينار مضروبًا بعدد الناخبين في الدائرة الانتخابية، فيما يكون الحد الأعلى للحزب أو الكيان السياسي مضاعفًا حسب عدد المرشحين في القائمة.

وأوضح التميمي أن التعليمات تشمل حظر استئجار القاعات، وصرف الأموال على أجور العاملين، وإعداد وطباعة المواد الإعلامية، ونشر الرسائل عبر الإنترنت، والإعلانات المقروءة والمسموعة والمرئية، وإقامة التجمعات والمؤتمرات والمهرجانات العامة، وكذلك المبالغ المصروفة لنقل الناخبين أو العاملين في الحملة. وأكد أن الهدف هو منع أي إسراف مالي أو استخدام موارد غير قانونية لتأثير على الناخب.

كما شددت المفوضية على حظر قبول الهبات أو المساهمات من أي جهة خارجية أو داخلية، سواء أكانت مباشرة أو غير مباشرة، بما يشمل المؤسسات العامة الممولة ذاتيًا والشركات التي يشارك فيها رأس مال الدولة، لضمان أن تكون المنافسة نزيهة وخالية من التأثيرات المالية غير المشروعة.

وفي المقابل، أجازت التعليمات العمل التطوعي للأفراد ضمن الحملات الانتخابية، مؤكدين أن مساهمتهم البدنية أو اللوجستية لا تُحسب ضمن سقف الإنفاق، ما يوفر مساحة للمشاركة المجتمعية في دعم الحملات بشكل قانوني. لكن التميمي حذر من أن هذا التطوع قد يُستغل أحيانًا لتغطية مخالفات مالية محتملة، مشيرًا إلى ضرورة الرقابة الدقيقة من الفرق المخصصة للرصد.

كما ألزمت التعليمات تعيين محاسب مالي حاصل على شهادة جامعية لكل مرشح أو حزب أو كيان سياسي، لتقديم تقرير مالي مفصل إلى المفوضية خلال 15 يومًا من يوم الاقتراع، يوضح مجموع المساهمات النقدية والعينية ومقدار الإنفاق. ويجب تقديم التقرير النهائي خلال 30 يومًا من إعلان النتائج الأولية، بما يتضمن كافة المستندات الداعمة وتفاصيل النفقات والمساهمات العينية، ويكون معززًا بتوقيع المسؤول عن الحزب أو المرشح والمحاسب المالي.

ويتم نشر هذه التقارير على موقع المفوضية الإلكتروني أو عبر وسائل الإعلام المتاحة لضمان الشفافية المطلقة أمام الجمهور. ويعتبر أي مخالفة لهذه التعليمات جريمة قانونية، ويحق لمجلس المفوضين فرض عقوبات تشمل الغرامات المالية، وإلغاء المصادقة على المرشح أو الحزب، وإلغاء اعتماد المراقبين أو المنظمات، وحتى إحالة المخالفين إلى المحاكم المختصة.

وأشار التميمي إلى أن جوهر الدعاية الانتخابية ليس الصور أو الملصقات أو الإعلانات المكثفة، بل البرامج والأهداف والطموحات التي يسعى المرشح لإيصالها للناخبين. وأضاف: “التخطيط المسبق والعمل الجاد يعطي للناخب صورة واضحة عن المرشح ويجعله يرد الجميل للجهود السابقة بدلاً من التأثر بالحملات السطحية أو الإنفاق الباذخ”.

وأوضح الخبير القانوني أن هذه التعليمات تمثل تجربة متقدمة لضبط المنافسة الانتخابية في العراق، خصوصًا بعد أن شهدت الدورات السابقة استهلاكًا ماليًا فاق الحاجة وأدى إلى تفاوت كبير بين المرشحين، مع ما يرافقه من شبهات حول مصادر التمويل.

وبحسب المفوضية، فإن التعليمات تسري على انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات والأقضية، ما يعني أن كل المرشحين، سواء كانوا أفرادًا أو ضمن قوائم حزبية وتحالفات سياسية، سيكونون خاضعين لنفس القواعد الصارمة، وهو ما يُتوقع أن يحد من الممارسات غير القانونية ويعيد بعض الثقة للمجتمع في العملية الانتخابية.

وفي ختام تصريحه، اختتم التميمي برسالة رمزية حول قيمة العمل الانتخابي الحقيقي، قائلاً: “إذا كان ثوبي فوق قيمته الفلس، فلي فيه نفس تحت قيمتها الشمس”، في إشارة إلى أن الجوهر الحقيقي للحملة الانتخابية هو المصداقية والجهد المسبق أكثر من الإنفاق المادي الفاحش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });