
بغداد / عراق اوبزيرفر
قبل أن تُفتح صناديق التصويت العام في الحادي عشر من تشرين الثاني الجاري، تتجه أنظار الأحزاب والكتل السياسية إلى يوم التصويت الخاص، حيث يدلي مئات الآلاف من منتسبي الأجهزة الأمنية والعسكرية بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية المقبلة. هذا اليوم لا يُعدّ مجرد تمرين انتخابي مبكر، بل هو المعركة الأولى الحقيقية التي ستكشف موازين القوى بين الكتل، وتقدم مؤشرات على اتجاهات التصويت الشعبي لاحقًا.
ففي كل دورة انتخابية عراقية، يُعتبر التصويت الخاص “بوصلة النتائج”، لأنه يشمل شريحة واسعة من القوات الأمنية التي تمتلك حضورًا في جميع المحافظات وتُعدّ من الفئات المنظمة إداريًا والتي يسهل حشدها والتأثير في قرارها عبر قنوات السلطة أو الولاء أو حتى الإحباط العام.
هذه المرة، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، إذ تتنافس الكتل السياسية على كسب أصوات عناصر الجيش والشرطة والحشد والأجهزة الاستخبارية، فيما تحاول كل جهة استثمار علاقاتها داخل المؤسسات الأمنية لتحقيق مكاسب انتخابية مبكرة. مصادر سياسية مطلعة تشير إلى أن بعض الكتل “تخوض حملة صامتة داخل المقرات والثكنات”، عبر وسطاء وضباط معروفين بانتماءاتهم السياسية، رغم الحظر الرسمي لأي نشاط انتخابي في صفوف القوات المسلحة.
تُتهم قوى سياسية نافذة بمحاولة استمالة المنتسبين عبر وعود وظيفية أو نقلات مريحة أو تسهيلات في الترفيع، في حين تشير أطراف أخرى إلى أن كثيرًا من عناصر الأمن باتوا أكثر حذرًا من الدخول في لعبة الانتماءات، بعد أن خاب أملهم في وعود السنوات الماضية التي لم تتحقق.
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه الآن: لمن سيصوت المنتسبون؟
المتابعون يرون أن أصوات الأجهزة الأمنية ستتوزع بين عدة تيارات بحسب البيئة الجغرافية والانتماء الاجتماعي، فالمحافظات الجنوبية تميل تقليديًا نحو قوى الإطار التنسيقي التي تمتلك نفوذًا كبيرًا في وزارتي الداخلية والدفاع، فيما تشهد المحافظات الغربية حضورًا واضحًا لتحالفات سنية تسعى لاستمالة ضباط الشرطة المحلية وأفراد الحشد العشائري. أما في إقليم كوردستان فالمشهد محسوم تقريبًا لحزبي السلطة – الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني – اللذين يسيطران إداريًا على مفاصل الأمن والبيشمركة.
غير أن المفاجأة قد تأتي من “المنتسبين الصدريين” السابقين أو المتأثرين بتيار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذين يجدون أنفسهم اليوم بين خيارين: المشاركة والتصويت لشخصيات مستقلة تمثل روح “الإصلاح”، أو الانسحاب التام التزامًا بقرار المقاطعة الذي أعلنه التيار. مصادر داخل التيار تؤكد أن الصدر لم يصدر توجيهًا مباشرًا لأتباعه في صفوف الأجهزة الأمنية، لكنه شدد سابقًا على “عدم منح الشرعية لعملية انتخابية يديرها خصوم الإصلاح”، وهو ما يفسّر حالة الغموض التي تلف موقف المنتسبين المتعاطفين مع التيار.
بعض التقديرات تشير إلى أن مقاطعة الصدر، إن التزم بها مناصروه داخل المؤسسات الأمنية، قد تحرم بعض الكتل من عشرات آلاف الأصوات الحاسمة في بغداد والجنوب. وهذا ما يفسر القلق المتزايد لدى القوى المتنافسة التي تحاول بشتى الطرق إقناع تلك الشريحة بالمشاركة “لصالح الاستقرار”، في خطاب يحمل في طياته بعدًا انتخابيًا واضحًا.
من جانب آخر، هناك مخاوف جدية من أن يتحول التصويت الخاص إلى ساحة لتبادل الاتهامات حول التزوير والتأثير غير المشروع، إذ سبق أن شهدت الدورات السابقة خروقات في مراكز اقتراع عسكرية، خاصة في المناطق التي تخضع لإدارة أمنية مركّزة. مفوضية الانتخابات تؤكد أنها وضعت إجراءات رقابية مشددة، تشمل مراقبة الكاميرات وإشراف منظمات دولية، لكن المراقبين يشككون بقدرتها على منع التلاعب داخل المعسكرات التي يصعب دخولها من قبل المراقبين المدنيين.
وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير السياسي مجاشع التميمي، في حديث لـ”عراق اوبزيرفر”، أن “التصويت الخاص لمنتسبي الأجهزة الأمنية سيشكل عاملاً مؤثراً في رسم ملامح الخريطة الانتخابية المقبلة، ولا سيما في ظل مقاطعة التيار الصدري التي ستترك فراغاً انتخابياً في المناطق ذات الكثافة الصدرية. هذا التصويت يتمتع بميزة الانضباط والتنظيم العالي، وغالباً ما يعكس توجّهات أقرب للسلطة أو الكتل المتنفذة التي تمتلك القدرة على التواصل مع المنتسبين بشكل مباشر أو غير مباشر”.
ويلفت إلى أن “محاولات بعض القوى السياسية لاستمالة أصوات الأمنيين عبر الوعود أو التأثير المؤسسي ستجعل من هذا التصويت ورقة حاسمة في التوازنات الانتخابية، خصوصاً في الدوائر المتقاربة النتائج”.
وبحسب التميمي، فإنه “مع محدودية نسبة المشاركة العامة المتوقعة، يمكن للتصويت الخاص أن يرجّح كفة قوائم معينة ويعيد توزيع المقاعد بطريقة غير متوقعة، مما يمنحه وزناً انتخابياً يفوق نسبته العددية الفعلية”.



