
بغداد/ عراق أوبزيرفر
لم تعد الانتخابات في العراق مجرّد ساحة للتنافس بين الأحزاب والتيارات، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى عرضٍ علني لوجوه جديدة تحمل الأسماء نفسها التي طبعت المشهد السياسي منذ عام 2003، في مشهد يوحي بأن السلطة لم تعد وظيفة عامة بل إرثاً عائلياً ينتقل من الآباء إلى الأبناء.
وتزايدت في السنوات الأخيرة حرص زعماء الأحزاب والمسؤولين الكبار على اصطحاب أبنائهم أمام الكاميرات، في فعاليات انتخابية أو لقاءات جماهيرية، لإبرازهم كورثة محتملين للنفوذ، في محاولة لتعويد الرأي العام على الوجوه الجديدة داخل العائلة نفسها. ومع كل دورة انتخابية، يتسع حضور هذه الظاهرة التي يرى مراقبون أنها تنسف مبدأ تكافؤ الفرص وتختزل مفهوم الدولة في حدود العائلة والنسب.
ومنذ عام 2003، بدأت ملامح “العائلات السياسية” تتشكّل تدريجياً في العراق، لتتحول إلى جزء من بنية النظام. فبعض الأسر باتت تمتلك نفوذاً متشعباً يمتد من الوزارات والمؤسسات العليا إلى الأجهزة الأمنية والسلك الدبلوماسي، فضلاً عن مواقع التأثير في العقود الحكومية وملفات التعيين.
ومع الوقت، صار اسم العائلة وحده كافياً لضمان موقع متقدم في قوائم الترشيح، دون الحاجة إلى تجربة أو تأهيل مهني.
ويرى باحثون في الشأن السياسي أن بقاء السلطة في أيدي العائلات ذاتها لم يعد مجرد انعكاس اجتماعي، بل أصبح آلية مدروسة للحفاظ على النفوذ داخل النظام، إذ يعمد بعض الزعماء إلى ترشيح أبنائهم أو أقاربهم عوضاً عن الترشح مجدداً بأنفسهم، لضمان استمرار حضورهم السياسي والاقتصادي حتى في حال انسحابهم من الواجهة.
غياب النضج المؤسسي
بدورها قالت أستاذة العلاقات الدولية بسمة الأوقاتي إن التجربة السياسية العراقية “افتقرت للنضج المؤسسي، ما جعل التوريث السياسي نتيجة طبيعية لنظام هش يقوم على الولاءات الشخصية والعائلية لا على الكفاءة أو المشروع الوطني”.
وأضافت الأوقاتي لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الكثير من الأسماء التي تتصدر المشهد اليوم لم تصل بجهد أو استحقاق ذاتي، بل ورثت المناصب من آبائها بدافع الحفاظ على الغنيمة لا بدافع الرؤية أو المصلحة العامة” مؤكدة أن “الوريث السياسي وإن كان يمتلك الحق في الترشح كمواطن، إلا أن غياب التأهيل والإعداد يحوّله إلى امتدادٍ للسلطة أكثر من كونه ممثلاً حقيقياً للناس”.
وترى الأكاديمية أن “هذا النمط يرسّخ احتكار القرار بيد قلة محدودة من العائلات، ويقوّض فرص التداول الديمقراطي للسلطة، لأن الجمهور في نهاية المطاف لا يجد أمامه إلا الأسماء ذاتها التي تغيّرت فقط في الجيل”.
ومع غياب القوانين التي تحد من تضارب المصالح أو تمنع الجمع بين النفوذ العائلي والموقع السياسي، تحوّل التوريث إلى قاعدة غير معلنة لإدارة الدولة. فمجالس المحافظات مثلاً، أصبحت بوابة لتوريث المناصب، حيث يترشح الأب في دورة، ويحلّ الابن محله في الدورة التالية، مستفيداً من البنية التنظيمية والتمويل والولاءات التي راكمتها العائلة عبر السنين.
ويشير مختصون إلى أن استمرار هذا المسار يعمّق هشاشة النظام السياسي ويُضعف ثقة الشارع بمؤسساته، لأن النتيجة النهائية تبدو ثابتة؛ أبناء المسؤولين اليوم هم وزراء الغد، فيما تُغلق الأبواب أمام جيلٍ جديد من الكفاءات والوجوه المستقلة.
وهكذا يتحول المشهد العراقي مع كل موسم انتخابي إلى ما يشبه “عرضاً وراثياً”، تُرفع فيه صور الأب والابن معاً، ويتحوّل التنافس إلى سباقٍ داخل العائلة الواحدة، بينما يبقى المواطن المتفرج الوحيد على سلطة لم يعد يختارها بقدر ما يرثها عن غيره.



