
بغداد / عراق اوبزيرفر
شهدت منصة “إكس” خلال الأيام الماضية واحدة من أكثر موجات الجدل اتساعاً في الفضاء الرقمي العراقي، بعد إطلاق خاصية جديدة تُظهر الدولة التي يُدار منها كل حساب، في خطوة أربكت المدونين، وأثارت موجة تساؤلات عن مستقبل النشاط الرقمي، وحدود التأثير الخارجي على النقاشات المحلية، وطبيعة “الهويات الافتراضية” التي شكّلت جانباً مهماً من المزاج العام في العراق خلال السنوات الأخيرة.
الخاصية، التي ظهرت بشكل مفاجئ، وضعت آلاف الحسابات تحت الضوء، ودفعت محللين وخبراء إلى التحذير من أن الساحة الرقمية العراقية قد تكون “أضخم مما كان يُعتقد” من حيث حجم الاختراق والتلاعب، وهو ما عبّر عنه الخبير في المجال الرقمي رسول علي في حديثه لـ”عراق أوبزيرفر”، حين قال إن التحديث الجديد “أظهر حجم الفوضى الإعلامية في الساحة العراقية، وعدم وجود إدارة حقيقية لفضاء التواصل الاجتماعي في البلاد”.
وبحسب علي، فإن بعض الحسابات المثيرة للجدل لم تكن جديدة على أجهزة الرقابة أو التحليل الرقمي، بل كانت “مرصودة سابقاً، خصوصاً خلال فترة الحرب على داعش”، مشيراً إلى أن منصة “إكس” استُخدمت فعلياً “من قبل جهات خارجية لدعم التنظيم، في وقت لم تكن الحكومة العراقية تمتلك التقنيات أو قنوات التواصل اللازمة لمعالجة هذه التحديات”.
ويضيف علي أن الخاصية الجديدة جاءت لتؤكد “ما كان يقوله المختصون”، وهو أن عدداً كبيراً مما يُعرف بـ”الحسابات العراقية” لا يُدار فعلياً من داخل العراق، بل من دول أجنبية أو من عراقيين مقيمين في الخارج، لافتاً إلى أن “بعض هذه الحسابات تعمل لحساب أجندات خاصة أو بهدف تأجيج الوضع الداخلي لأغراض معينة”.
أما المفاجأة الأبرز، بحسب علي، فكانت الكشف عن نشاط غير محلي لحسابات تدخلت في قضايا حساسة، من بينها قانون الأحوال الشخصية الجديد، والذي شهد – وفقاً له – حملات منظمة نفذتها حسابات تُدار من ألمانيا وتركيا ودول أخرى، مستهدفة القانون عبر موجة هجمات رقمية هادفة لتوجيه الرأي العام.
على الضفة الأخرى، يرى الخبير التقني علي مصطفى أن قرار منصة “إكس” لا ينتمي إلى أي سياق سياسي، بل يندرج تحت إطار مكافحة التضليل وتقليل نفوذ الجيوش الإلكترونية.
ويقول مصطفى لـ”عراق أوبزيرفر” إن الهدف الواضح وراء الخاصية هو “منع عمل الجيوش الإلكترونية والحسابات المداراة من خلال برامج مؤتمتة خارج الدولة المعلن عنها من قبل صاحب الحساب”.
ويؤكد أن القرار “اتخذته منصة (إكس) بشكل مستقل، وليس نتيجة لأي تدخل حكومي”، موضحاً أن الخاصية “تكشف الدولة التي تم تفعيل الحساب فيها”، وهو ما قد ينعكس على خصوصية بعض المدونين، لا سيما أولئك الذين يحملون آراء معارضة لتوجهات حكوماتهم، ما يجعل ظهور موقع إدارة حساباتهم مصدر تهديد محتمل لهم.
ورغم المخاوف التي أثارتها هذه الخاصية، يشير مصطفى إلى أن تجاوزها ممكن عبر أدوات الإخفاء الرقمي مثل VPN، وهي تقنية تتيح تغيير موقع الظهور الافتراضي للمستخدم وحماية جزء من خصوصيته، قائلاً إن وجودها “يمنح المستخدمين بعض المرونة في حماية خصوصيتهم رغم التحديث الجديد”.
وبين هذا وذاك، تبدو الساحة الرقمية العراقية مقبلة على مرحلة جديدة من الجدل، حيث تتقاطع أسئلة الخصوصية مع أسئلة الأمن الرقمي، ويتداخل تأثير الجيوش الإلكترونية مع واقع مجتمع يعتمد بشكل كبير على ما يُنشر في المنصات.






