
بغداد/ عراق أوبزيرفر
في وقت يواجه فيه العراق واحدة من أكثر مراحله المالية حساسية، تتصاعد المخاوف من دخول البلاد في أزمة اقتصادية مركبة تتقاطع فيها محدودية الموارد مع تضخم الإنفاق العام وغياب المعالجات الجذرية.
ومع استمرار الاعتماد شبه الكلي على النفط كمصدر وحيد للإيرادات، وتراجع أسعاره في الأسواق العالمية، تبدو قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها الرواتب والحماية الاجتماعية، موضع تساؤل متزايد، ما ينذر بمرحلة تقشف قاسية قد تعيد رسم ملامح السياسة المالية والاقتصادية في البلاد.
ويرى مراقبون أن الأزمة المالية الحالية لا تنفصل عن طبيعة النظام الاقتصادي الريعي، الذي جعل الدولة رهينة لتقلبات أسعار النفط، وسط غياب تنويع حقيقي لمصادر الدخل وضعف السياسات الإصلاحية، كما أن استمرار هذا النهج، بالتزامن مع تضخم النفقات التشغيلية والتزامات الرواتب، يضيّق هامش المناورة أمام الحكومة، ويفرض خيارات صعبة قد تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المرحلة المقبلة.
بدوره حذّر الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني من تفاقم الأزمة المالية في العراق، مؤكدًا أن توقيت اتخاذ قرارات اقتصادية كبرى بات متأخرًا في ظل كون الحكومة الحالية حكومة تصريف أعمال، فضلًا عن غياب التوافق السياسي داخل البرلمان على مثل هذه القرارات.
وقال المشهداني لـ”عراق أوبزيرفر” إن “أغلب القرارات الاقتصادية المطروحة حاليًا تحمل طابعًا شعبويًا، “لافتًا إلى أن “الكتل السياسية بدأت فعليًا بالتحضير لانتخابات مجالس المحافظات المقبلة، ما ينعكس على طبيعة السياسات المتبعة”.
وأشار إلى أن “أي تعديل محتمل في سلم الرواتب يثير تساؤلات جوهرية حول العدالة الوظيفية، خصوصًا فيما يتعلق بالمساواة بين أصحاب الخدمة الطويلة والموظفين الجدد، أو بين من يمتلكون مؤهلات علمية ومن لا يمتلكونها”.
وبيّن المشهداني أن “الحكومة تعترف ضمنيًا بوجود أزمة مالية، “معتبرًا ذلك مؤشرًا على “دخول البلاد مرحلة تقشف، في ظل اعتماد الموازنة العامة بنسبة تقارب 90% على الإيرادات النفطية”.
وأوضح أن “انخفاض أسعار النفط إلى حدود 55–56 دولارًا للبرميل يعني أن صافي ما يدخل الموازنة لا يتجاوز 45 دولارًا، ما سيؤدي إلى عجز كبير”.
وأضاف أن “الإيرادات النفطية المتحققة لا تكفي لتغطية الرواتب والأجور والحماية الاجتماعية، “مؤكدًا أن “الأزمة مرشحة للاستمرار لسنوات، لا سيما مع التوجهات الدولية لإبقاء أسعار النفط ضمن نطاق 50–60 دولارًا للبرميل”.
وبلغ سعر خام برنت 59 دولارًا، ما يعني أن النفط العراقي يُسعر حاليًا بنحو 56 دولارًا للبرميل، ومع احتساب كلفة الاستخراج والتشغيل، تصل الإيرادات الفعلية إلى حوالي 45 دولارًا فقط للبرميل، وهو ما يخلق فجوة كبيرة بين الإيرادات والنفقات.



