
بغداد/ عراق أوبزيرفر
في تطور يُعدّ من أكثر التحولات حساسية في ملف السلاح خارج إطار الدولة، دخل القضاء العراقي بقوة على خط الجدل المتراكم منذ سنوات، واضعاً هذا الملف للمرة الأولى ضمن مسار قانوني صريح، بعد ترحيبه بإعلانات بعض الفصائل المسلحة استعدادها لحصر السلاح بيد الدولة والانتقال إلى العمل السياسي.
وهذا الموقف، الذي صدر عن أعلى سلطة قضائية في البلاد، أعاد رسم حدود التعاطي مع واحدة من أعقد إشكاليات الدولة العراقية منذ عام 2003، حيث ظل ملف السلاح عالقاً بين تفاهمات سياسية مؤقتة وخطابات إعلامية متضاربة، دون أن يتحول إلى التزام قانوني واضح قابل للتنفيذ والمساءلة.
وأكد رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق فائق زيدان أن قادة فصائل مسلحة وافقوا على التعاون بشأن قضية “حصر السلاح بيد الدولة”، مشيداً باستجابتهم لنصيحته المتعلقة بالتعاون مع مؤسسات الدولة لـفرض سيادة القانون، والانتقال إلى العمل السياسي بعد انتفاء الحاجة الوطنية للعمل العسكري.
ويرى مختصون أن ترحيب القضاء بهذه المواقف لا يندرج في إطار الإشادة الرمزية، بل يمثل انتقالاً عملياً للملف من فضاء التسويات السياسية إلى حقل الالتزام الدستوري، بما يعنيه ذلك من تبعات قانونية على الجهات التي ترفض أو تماطل في تنفيذ هذا المسار، بعد سنوات من الغموض في آليات التعامل مع السلاح المنفلت.
وفي هذا السياق، أكد مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر أن خطاب عدد من الفصائل المسلحة يُعدّ خطوة بالغة الأهمية باتجاه ترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن إشادة رئيس السلطة القضائية بهذا التوجه تعني انتقال الملف من خانة الجدل السياسي إلى خانة القانون الملزم.
وقال حيدر لـ”عراق أوبزيرفر” إن “إشادة رئيس السلطة القضائية بمواقف بعض الفصائل تعكس، ولأول مرة منذ عام 2003، موقفاً قضائياً صريحاً من ملف السلاح”، موضحاً أن “أي فصيل يرفض تسليم سلاحه سيكون من الآن فصاعداً في مواجهة مباشرة مع القضاء”.
وبيّن أن الفصائل التي أعلنت رفضها لهذا المسار قد تجد نفسها مضطرة للعودة وقبول القرار في نهاية المطاف، لافتاً إلى أن “مواجهة القضاء تعني مواجهة الدولة والدستور والرأي العام العراقي، وهو ما لا يمكن لأي جهة تحمّله في المرحلة المقبلة”.
وأشار إلى أن القضاء بات يمثل “الخندق الأخير الذي تحتمي به الدولة”، مؤكداً أن احترامه يشكّل ضمانة أساسية للاستقرار، ومعرباً في الوقت نفسه عن أسفه لعدم التزام بعض الفصائل سابقاً بدعوات المرجعية الدينية العليا التي شددت مراراً على عدم استغلال فتوى الجهاد الكفائي لبناء تشكيلات مسلحة خارج سلطة الدولة.
وأضاف أن “كلمة القضاء ستكون الأعلى في هذا الملف”، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى التزام جميع الأطراف بمبدأ سيادة القانون وبناء الدولة، بعيداً عن منطق الاستثناءات أو تبرير السلاح تحت عناوين سياسية أو أمنية.
وخلال الأيام الماضية، أعلنت عدة فصائل مسلحة موافقتها على الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، حيث صدرت مواقف رسمية عن الأمين العام لكتائب الإمام علي شبل الزيدي، تلتها دعوة من أمين عام حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، إضافة إلى مواقف لفصيل أنصار الله الأوفياء، والمتحدث باسم كتائب سيد الشهداء.
في المقابل، أصدرت كتائب حزب الله بياناً أعلنت فيه رفضها “نزع سلاحها”، مؤكدة أن “السيادة وضبط أمن العراق ومنع التدخلات الخارجية بمختلف وجوهها، تمثل مقدمات أساسية للحديث عن حصر السلاح بيد الدولة”، مشددة على أن موقفها “يطابق ما ذهب إليه مراجعها”، وأن الحديث عن هذا الملف يبقى مشروطاً بتحقق تلك المعطيات.
ويضع هذا التباين في المواقف الدولة العراقية أمام مرحلة دقيقة، عنوانها الانتقال من التعاطي السياسي المرن مع ملف السلاح، إلى مقاربة قانونية صلبة يقودها القضاء، بما يحمله ذلك من رهانات على قدرة المؤسسات على فرض سيادة القانون دون انتكاسات أو تسويات تعيد الملف إلى نقطة الصفر.






