
بغداد/ عراق أوبزيرفر
عاد الجدل بشأن طبيعة الدور الأمريكي في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة إلى الواجهة، وسط تسريبات ومواقف سياسية متقاطعة تشير إلى رغبة واشنطن في التأثير على توزيع المناصب السيادية والأمنية، ومنع صعود شخصيات محسوبة على الفصائل المسلحة إلى مواقع القرار التنفيذي، في لحظة إقليمية توصف بأنها مختلفة جذرياً عما بعد عام 2003.
وخلال الأيام الماضية، تصاعد الحديث داخل الأوساط السياسية عن وجود تحفظات أمريكية على تولي شخصيات بعينها مناصب حساسة في الدولة، في ظل مساعٍ أمريكية لوضع ما يشبه “خطوطاً حمراء” أمام مشاركة بعض الفصائل أو أذرعها السياسية في الحكومة المقبلة، خصوصاً بعد التحولات التي أعقبت أحداث السابع من تشرين الأول، والتغيرات المتسارعة في موازين النفوذ الإقليمي.
تجاذب إيراني – أمريكي
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشأن السياسي حسين الأسعد إن “المرحلة الحالية تختلف جذرياً عن كل ما سبقها منذ عام 2003، حيث لم تعد الملفات العراقية تُدار بذات الصيغة التوافقية الأمريكية – الإيرانية التي حكمت المشهد لسنوات طويلة”.
وأضاف الأسعد في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “النفوذ الإيراني شهد تراجعاً واضحاً بعد التطورات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما الضربات التي استمرت 12 يوماً، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى محاولة فرض بصمة سياسية أمريكية مباشرة داخل الحياة السياسية العراقية”.
وأوضح أن “واشنطن باتت جادة في منع وصول شخصيات مرتبطة بالفصائل أو بما يُعرف بالصوت السياسي للسلاح إلى المناصب السيادية أو الأمنية، سواء في رئاسة الوزراء أو الوزارات الحساسة”، مشيراً إلى أن “هذه الرؤية تمثل برنامجاً أمريكياً جديداً، مختلفاً عن المرحلة الممتدة من 2003 وحتى الانتخابات السابقة”.
ولفت الأسعد إلى أن “ما جرى تداوله مؤخراً بشأن اعتراض السفارة الأمريكية على تولي بعض الشخصيات مناصب برلمانية متقدمة يعكس هذا التحول”، مضيفاً أن “البراغماتية قد تفرض نفسها حتى على الفصائل، عبر القبول بتسويات من نوع آخر، كالمناصب المحلية أو المحافظات، بدلاً من المواقع السيادية، في إطار معادلة جديدة يعاد من خلالها رسم خارطة النفوذ في المنطقة”.
في المقابل، سعت الحكومة العراقية إلى نفي وجود توتر مع واشنطن، إذ قال مستشار رئيس الوزراء حسين علاوي في تصريح تلفزيوني إن “ما يتم تداوله عن خلافات أو ضغوط أمريكية مبالغ فيه وغير دقيق”، مؤكداً أن “العلاقات بين بغداد وواشنطن شهدت تطوراً إيجابياً ملحوظاً خلال الساعات الأخيرة، انعكس في إشادات أمريكية بدور الحكومة العراقية”.
وأضاف علاوي أن “لقاءات رفيعة المستوى بين مسؤولين عراقيين وقيادات عسكرية ودبلوماسية أمريكية تعكس عمق العلاقة بين الطرفين”، مشيراً إلى أن “المرحلة المقبلة ستشهد تفاعلات جديدة مرتبطة بتشكيل الحكومة وانتخاب رئيس الجمهورية”.
ورغم هذا النفي الرسمي، تشير معطيات سياسية إلى أن واشنطن لا تخفي قلقها من استمرار نفوذ الفصائل المسلحة داخل مفاصل الدولة، وتلوّح بأدوات ضغط اقتصادية ومالية في حال لم تُراعَ هذه التحفظات، في وقت تشكل فيه الملفات المالية والدولارية نقطة حساسة للاقتصاد العراقي.
تحرك نحو هيئة رئاسة البرلمان
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع إعادة ترتيب المشهد البرلماني وانتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب، وسط قراءة سياسية ترى أن معركة الحكومة المقبلة لن تُحسم داخل البرلمان فقط، بل في تقاطع الإرادات الإقليمية والدولية.
وبحسب تقارير سياسية متداولة، فإن القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية في بغداد طلب تغيير نائب رئيس مجلس النواب عدنان فيحان، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها تعكس تحفظاً أمريكياً واضحاً على تولي شخصيات محسوبة على الفصائل المسلحة مواقع متقدمة داخل السلطة التشريعية، ولا سيما في ظل حساسية المرحلة السياسية الحالية وتداخلها مع ملف تشكيل الحكومة المقبلة.
ويُعد فيحان قيادياً بارزاً ومخضرماً في حركة عصائب أهل الحق، وسبق أن نفذ عمليات عسكرية ضد القوات الأمريكية خلال سنوات المواجهة المباشرة، وهو ما أقرّ به صراحة في تصريحات متلفزة سابقة أكد فيها أنه “يفتخر بتنفيذ تلك العمليات”، الأمر الذي جعل اسمه محل جدل داخلي وخارجي، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الأمريكية الرامية إلى إبعاد شخصيات ذات خلفية عسكرية أو ارتباط مباشر بالسلاح عن المناصب السيادية والواجهة السياسية للدولة.



