تحليلاتخاص

إبادة بلا قنابل.. اقتصاد المولدات يشلّ الدولة ويهدد صحة العراقيين

بغداد/ عراق أوبزيرفر
تحاصر سحب الدخان الثقيلة مدن العراق يومياً مع اتساع الاعتماد على المولدات الأهلية بوصفها حلاً مؤقتاً لأزمة الكهرباء المستمرة منذ أكثر من عقدين، في مشهد لم يعد عابراً بل تحوّل إلى أزمة بيئية وصحية واقتصادية متراكمة، وسط تحذيرات من “إبادة بيئية” وغياب واضح لتطبيق القوانين، وتداخل المصالح السياسية مع ما بات يُعرف بـ“اقتصاد المولدات”.
وبحسب تقديرات المرصد العراقي لحقوق الإنسان، يعمل في عموم البلاد أكثر من خمسين ألف مولدة ديزل بلا رقابة بيئية فعالة، تنتشر داخل الأزقة والأحياء السكنية، وتحوّل الهواء إلى خطر يومي صامت، مع تسجيل بغداد مطلع عام 2026 ضمن المدن الأكثر تلوثاً عالمياً وفق مؤشرات جودة الهواء التي وصفت مستويات التلوث بـ“السُمية الشديدة”.
ولا يقتصر أثر هذه المولدات على تلويث الهواء فحسب، بل يمتد إلى استنزاف الاقتصاد العراقي بمبالغ تتراوح بين 6 – 10 مليارات دولار سنوياً، تشمل كلف الوقود والإدامة والضوضاء وتشويه المشهد الحضري، في وقت تربط فيه تقارير المرصد بين تدهور جودة الهواء وارتفاع الإصابات السرطانية، مع تسجيل أكثر من 46 ألف إصابة خلال عام 2024، ما يضع الحق في الصحة والحياة أمام تهديد حقيقي.

50 ألف مولدة
بدوره قال عضو مرصد العراق الأخضر عمر عبداللطيف إن “المولدات الأهلية باتت المسبب الأول لتلوث الأجواء في بغداد وعموم المحافظات، مع وجود أكثر من خمسين ألف مولدة تعمل داخل الأحياء السكنية، فيما تخلّص إقليم كردستان منها منذ العام الماضي بعد استقرار الكهرباء”، مؤكداً أن “أزمة الكهرباء في العراق بلا حل منذ 23 عاماً، ومع التوسع السكاني تحوّلت الغيمة السوداء إلى سمة دائمة تُرى حتى من الجو”.
وأضاف عبداللطيف لـ”عراق أوبزيرفر” أن “غالبيّة هذه المولدات مملوكة لجهات متنفذة وأحزاب سياسية، ما يمنحها حماية غير معلنة ويجعل إزالتها أو نقلها أمراً شبه مستحيل، إذ تُزال أحياناً مولدات غير مسنودة فقط، بينما تبقى الأخرى ثابتة في مواقعها مهما كانت سلطة الدولة”، لافتاً إلى أن “اقتصاد المولدات يوفّر أرباحاً ثابتة يجري تقاسمها، لذلك ستبقى هذه المولدات قائمة ما دامت أزمة الكهرباء بلا حلول حقيقية”.
ويشير مختصون إلى أن الضوضاء المصاحبة للمولدات لا تقل خطورة عن التلوث، إذ تدفع أسعار العقارات القريبة منها إلى الانخفاض، قبل أن يعمد بعض أصحاب المولدات إلى استثمار تلك المنازل نفسها كمواقع تشغيل، في دورة مغلقة من الربح والخسارة المجتمعية.

تساؤلات عن الطاقة النظيفة
وفيما يُطرح التحول إلى الطاقة النظيفة بوصفه مخرجاً ضرورياً، يرى مراقبون أن هذا المسار ما يزال بطيئاً ومؤجلاً، وسط تعقيدات التعاقدات وضعف الثقة بنوعية المشاريع، إذ يقول مختصون إن الخلايا الشمسية بدأت بالانتشار لدى مواطنين متمكنين أو عبر قروض مصرفية، لكنها تحتاج إلى تثقيف طويل الأمد، كما تتأثر بالعواصف الغبارية وتراكم الأتربة، ما يجعل الاستغناء الكامل عن المولدات أمراً غير قريب.
وتتفاقم الأزمة البيئية في بغداد مع تقلص المساحات الخضراء وازدياد الاستثمارات العمرانية على حساب المتنفسات الطبيعية، إذ تُصنّف العاصمة منذ أكثر من عام ضمن الأسوأ من حيث جودة الهواء، مع تشابه متزايد مع مدن عالية التلوث عالمياً، في ظل مشاريع متعثرة للتشجير، ونقص المياه، وسوء التخطيط.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يتشابك الملف البيئي مع المالي بصورة مباشرة، إذ تؤدي العواصف الترابية والغبارية إلى خسائر كبيرة، تشمل توقف الصادرات النفطية وحركة الطيران وتكاليف صحية وتنظيفية مرتفعة، فضلاً عن كلف الوقود للمولدات والملوثات الصناعية.
ويجمع مراقبون على أن معالجة هذا الملف تتطلب إرادة سياسية حقيقية، تبدأ بتطبيق صارم للقوانين، وتفكيك شبكات المصالح المرتبطة باقتصاد المولدات، ووضع خريطة طريق واقعية للتحول التدريجي إلى الطاقة النظيفة، قبل أن يتحول الدخان اليومي إلى أزمة صحية واجتماعية أعمق يصعب احتواؤها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });