
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تضع الإجراءات الحكومية الأخيرة الخاصة بإعادة تنظيم حوافز الإنتاج والأرباح مؤسسات الدولة أمام منعطف مالي حساس، في ظل أزمة سيولة متصاعدة وضغوط رسمية لإعادة ضبط الإنفاق العام، وسط تساؤلات متزايدة حول حدود الإصلاح وما إذا كان سيطال مختلف المستويات الوظيفية أم سيتركز على الشرائح الوسطى والدنيا.
وشهدت محافظتا البصرة وكربلاء، إلى جانب وقفات احتجاجية في بغداد، تحركات غاضبة رفضاً لقرارات استقطاع الحوافز، حيث رفع المحتجون شعارات تؤكد أن المخصصات تمثل جزءاً أساسياً من دخلهم الشهري ولا يمكن التعامل معها بوصفها امتيازاً ثانوياً.
والتوجه الأخير الذي جاء بعد تشكيل لجنة برئاسة وزير الصناعة والمعادن وعضوية المستشارين الاقتصادي والقانوني لرئيس مجلس الوزراء، نص على إجراء مراجعة شاملة للأنظمة والقوانين النافذة المتعلقة بالحوافز، وخلصت إلى وجود تفاوت كبير في آليات الاحتساب والصرف بين الوزارات والجهات المختلفة، ما اعتُبر أحد أبرز مواطن الخلل في إدارة هذا الملف.
وبحسب التوصيات، يجري العمل على إعداد نظام موحد ينظم احتساب حوافز الإنتاج والأرباح، مع تحديد سقف أعلى لحوافز الأرباح لا يتجاوز 20% من الراتب الاسمي، فضلاً عن وضع نسب قصوى ضمن الموازنات التخطيطية للشركات، في إطار رؤية تهدف إلى تقليص النفقات وإحكام السيطرة على أبواب الصرف.
وتأتي هذه الخطوات امتداداً لقرارات سابقة صدرت في كانون الثاني 2026، تضمنت استقطاع 30% من حوافز موظفي وزارة النفط، وإلغاء مخصصات الساعات الإضافية في وزارة الكهرباء، إلى جانب تقليصات طالت قطاعات تعليمية وإدارية، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة المعالجة المالية، وهل تمثل إصلاحاً هيكلياً أم إجراءات تقشفية ظرفية.
ويرى مختصون أن توحيد نظام الحوافز قد يسهم في تقليص الفجوات بين الوزارات، لكنه في المقابل يضع الحكومة أمام اختبار دقيق يتمثل في تحقيق العدالة بين طبيعة الأعمال المختلفة، لاسيما في القطاعات التي تعتمد على العمل الميداني أو البيئات ذات المخاطر العالية.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي عبدالسلام حسن لـ”عراق أوبزيرفر” إن “إعادة تنظيم الحوافز خطوة ضرورية من حيث المبدأ، لأن التباين الكبير في نسب المخصصات بين مؤسسة وأخرى خلق اختلالاً واضحاً في هيكل الرواتب داخل الدولة”.
وأضاف أن “أي إصلاح مالي ينبغي أن يكون جزءاً من رؤية شاملة لإعادة هيكلة الإنفاق العام، وليس مجرد استقطاع نسب من المخصصات، لأن المعالجة الجزئية قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد من فجوة الثقة بين الدولة وموظفيها”.
وأشار حسن إلى أن “الأولوية يجب أن تكون لضبط الهدر في العقود الكبيرة، ومراجعة الامتيازات العليا، وإعادة ترتيب أولويات الصرف، قبل الانتقال إلى تقليص مخصصات الموظفين، لأن العدالة في توزيع الأعباء تمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح مالي”.
وفي ظل استمرار النقاش داخل الأروقة الحكومية، يبقى ملف الحوافز – وفق اقتصاديين – أحد أبرز عناوين المرحلة المالية الراهنة، بين مساعٍ لإعادة الانضباط إلى الموازنة العامة، ومخاوف من أن تتحول إجراءات الضبط إلى تقشف يضغط على الدخل الثابت للمواطنين، في وقت تتعاظم فيه التحديات الاقتصادية أمام الدولة بشكل عام.




