
بغداد/ عراق أوبزيرفر
بالتوازي مع التصعيد العسكري في المنطقة واتساع المخاوف من استهداف منشآت الطاقة، بدأت عدة شركات نفطية دولية عاملة في العراق، ولا سيما في محافظة البصرة، اتخاذ إجراءات احترازية شملت تقليص أعداد موظفيها الأجانب أو سحب بعض فرقها الفنية مؤقتاً، تحسباً لأي تطورات أمنية قد تطال الحقول النفطية أو خطوط الإمداد.
وتشير معلومات متقاطعة إلى أن شركات كبرى مثل بي بي البريطانية العاملة في حقل الرميلة، وإيني الإيطالية المشغلة لحقل الزبير، إضافة إلى توتال إنرجيز الفرنسية التي تقود مشاريع الطاقة الكبرى في جنوب العراق، بدأت خلال الأيام الماضية إعادة ترتيب وجودها الميداني، حيث جرى نقل عدد من الخبراء الأجانب إلى خارج البلاد عبر الكويت أو عبر رحلات خاصة، مع إبقاء فرق تشغيل أساسية لضمان استمرار الإنتاج وعدم تعطّل العمليات الفنية داخل الحقول.
كما أفادت مصادر في قطاع الطاقة بأن بعض الشركات الصينية العاملة في حقول البصرة، إلى جانب شركات خدمية دولية تقدم الدعم الفني واللوجستي، قامت أيضاً بتقليص حضورها الميداني، في خطوة توصف بأنها إجراء احترازي مؤقت يرتبط بتقييمات المخاطر التي تجريها الشركات العالمية في حالات التصعيد العسكري أو اضطراب حركة الملاحة في الخليج.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعتمد فيه العراق بشكل كبير على شركات الطاقة الأجنبية لتشغيل وتطوير حقوله النفطية العملاقة، إذ تعمل أكثر من 10 شركات دولية رئيسية في حقول الجنوب، أبرزها الرميلة وغرب القرنة والزبير ومجنون واللحيس، وهي الحقول التي تمثل العمود الفقري للإنتاج النفطي العراقي الذي يتجاوز أربعة ملايين برميل يومياً.
من يتحمل الخسائر؟
وفي هذا السياق، قال الخبير النفطي عاصم جهاد إن “ما تقوم به بعض الشركات النفطية من تقليص لعدد موظفيها الأجانب أو نقل بعض الخبراء خارج العراق هو إجراء احترازي متعارف عليه في قطاع الطاقة خلال فترات التوتر الإقليمي، ولا يعني بالضرورة انسحاب الشركات أو توقف عملها في الحقول”.
وأضاف جهاد لـ”عراق أوبزيرفر” أن “العمليات الإنتاجية في الحقول العراقية ما تزال مستمرة بشكل طبيعي، لأن الشركات تبقي على الكوادر الأساسية المسؤولة عن التشغيل والإنتاج، بينما يجري عادة سحب الموظفين غير الضروريين في الظروف الطارئة لحين استقرار الأوضاع الأمنية”.
وأشار إلى أن “شركات النفط العالمية تمتلك خطط طوارئ واضحة للتعامل مع الأزمات، وهي تقوم بتقييم المخاطر بشكل يومي، لذلك فإن أي تقليص للوجود الأجنبي لا يعني توقف الإنتاج أو مغادرة الاستثمارات الأجنبية للعراق”.
بدوره قال الخبير النفطي عاصم جهاد إن “ما يجري حالياً يدخل ضمن ما يسمى بالظروف القسرية المرتبطة بالحروب والأزمات الإقليمية، وهو ما قد يضطر الدول المنتجة للنفط، ومنها العراق، إلى خفض الإنتاج أو إيقافه مؤقتاً، بل وحتى إطفاء بعض الآبار النفطية في حال استمرت هذه الظروف”.
وأضاف جهاد لـ”عراق أوبزيرفر” أن “العراق في مثل هذه الحالات لا يكون ملزماً بدفع تعويضات للشركات النفطية، لأن العقود الموقعة هي عقود خدمة تعتمد على الإنتاج، بمعنى أن الشركة تحصل على نسبة أو ربحية محددة عن كل برميل يتم إنتاجه وتصديره”.
وأوضح أن “توقف الإنتاج أو التصدير يعني تلقائياً توقف الأرباح أيضاً، لأن الشركات لا تحقق عوائد إلا عندما يتم إنتاج النفط وتصديره، وفي حال التوقف تتوقف هذه الآلية بالكامل بانتظار استئناف العمليات مرة أخرى”.
وأشار إلى أن “قطاع النفط في العراق مرّ خلال السنوات الماضية بعدد كبير من الظروف الاستثنائية بعد عام 2003، سواء أزمات اقتصادية أو صحية أو أمنية، ولذلك فإن بند الظروف القسرية موجود أساساً في العقود النفطية لمعالجة مثل هذه الحالات”.
ويحذر مختصون في قطاع الطاقة من أن استمرار التوتر العسكري في المنطقة قد يدفع المزيد من الشركات إلى اتخاذ خطوات مشابهة، خاصة في ظل حساسية البنية التحتية النفطية في الخليج واعتماد الأسواق العالمية بشكل كبير على نفط المنطقة، ما يجعل منشآت الطاقة هدفاً محتملاً في أي مواجهة واسعة.
وفي حال توسعت دائرة الاستهداف لتشمل منشآت نفطية في الخليج أو في العراق، فإن ذلك قد يضع صناعة النفط العراقية أمام تحديات تشغيلية وأمنية معقدة، نظراً لاعتماد البلاد على الشراكات مع الشركات الدولية في إدارة وتطوير الحقول العملاقة.



