اقتصادالعراقتحليلاتخاصرئيسية

اكتفاء على الورق والسوق يشتعل بلا رقابة “الطماطم.. السعر على الخاص!”..قفزة مفاجئة إلى 3000 دينار للكيلو الواحد في بغداد

بغداد / عراق اوبزيرفر

في مشهد يعكس مفارقة لافتة بين الخطاب الرسمي وحركة السوق، قفز سعر كيلو الطماطم في أسواق بغداد، اليوم الاثنين، إلى 3000 دينار، في ارتفاع وصفه مواطنون ومتابعون بـ”المفاجئ”، رغم تأكيدات حكومية متكررة بتحقيق الاكتفاء الذاتي واستقرار الأسعار.

الارتفاع السريع أعاد إلى الواجهة تساؤلات تقليدية حول قدرة السوق المحلية على امتصاص الصدمات، خصوصا مع اعتماد العراق، نظريا، على الإنتاج المحلي بعد قرارات منع الاستيراد لعدد واسع من المحاصيل، بينها الطماطم.

وفرة انتاج وارتفاع أسعار

بينما تتحدث الجهات الرسمية عن وفرة في الإنتاج، تشير حركة الأسعار إلى اختلال واضح في آليات التوزيع أو التخزين أو حتى الرقابة.

وزارة الزراعة، من جانبها، اكدت في نهاية كانون الثاني الماضي، أن القطاع الزراعي يواصل نموه رغم تحديات الجفاف والتغير المناخي، مشيرة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي لأكثر من 48 منتجاً زراعياً (بينها الطماطم)، ومنع استيرادها دعمًا للمنتج المحلي.

لكن هذا “الاكتفاء” يبدو، في نظر المواطن، أقرب إلى مفهوم نظري منه إلى واقع يومي، خاصة عندما تتحول مادة أساسية مثل الطماطم إلى سلعة متقلبة السعر، ترتفع فجأة دون مقدمات واضحة.

فجوة بين الواقع والمعلن

من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي جليل اللامي، أن الارتفاع الأخير في أسعار الطماطم في العراق يعكس وجود فجوة حقيقية بين ما يُعلن عن تحقيق الاكتفاء الذاتي والواقع الفعلي في السوق، مشيراً إلى أن الاكتفاء الحالي هو موسمي وغير مستدام.

وقال اللامي في تصريح لـ”عراق اوبزيرفر”، إن “حجم الاستهلاك المحلي من الطماطم يتراوح بين 2 إلى 2.5 مليون طن سنوياً، أي ما يعادل نحو 5 إلى 7 آلاف طن يومياً، وهو ما يمثل طلباً مرتفعاً على سلعة أساسية في غذاء المواطن العراقي. في المقابل، لا يتجاوز الإنتاج المحلي في أفضل حالاته 500 إلى 550 ألف طن سنوياً، ما يترك فجوة كبيرة يتم تعويضها عبر الاستيراد”.

وبيّن أن ارتفاع الأسعار الحالي لا يرتبط فقط بعوامل هيكلية، بل جاء نتيجة ظروف مباشرة، أبرزها تراجع الاستيراد من دول الجوار بسبب التوترات والحرب في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الكميات المتاحة في الأسواق المحلية.

وأضاف أن ضعف الرقابة على الأسواق ساهم في تفاقم الأزمة، حيث استغل بعض التجار والمضاربين حالة النقص لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، ما زاد من الأعباء على المواطنين.

مشكلات في المنافذ

وأشار أيضاً إلى وجود مشكلات في المنافذ الحدودية، سواء فيما يتعلق بإجراءات الكمارك أو نظام الأتمتة (الاستيكودا)، والتي أدت إلى تأخير دخول الشحنات وارتفاع كلفتها، وهو ما انعكس بدوره على أسعار البيع.

كما لفت إلى أن ارتفاع كلفة الإنتاج المحلي، نتيجة زيادة أسعار المدخلات الزراعية والطاقة والنقل، إضافة إلى شح المياه، جعل المنتج المحلي أقل قدرة على المنافسة في بعض الفترات مقارنة بالمستورد.

وشدد اللامي على أن الأزمة لا تتعلق بالإنتاج فقط، بل تشمل إدارة السوق الزراعي وسلاسل الإمداد والرقابة والتنظيم، مؤكداً أن معالجة المشكلة تتطلب حزمة إجراءات متكاملة، تشمل ضبط الأسواق، ومنع المضاربة، وتسهيل الاستيراد عند الحاجة، ومعالجة اختناقات المنافذ الحدودية، إلى جانب تقديم دعم حقيقي للإنتاج المحلي لتحقيق اكتفاء مستدام واستقرار الأسعار.

سياسات زراعية متداخلة

في هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي ضياء المحسن، أن ملف الطماطم في العراق يُعد نموذجاً معقداً لتداخل السياسات الزراعية مع المتغيرات الإقليمية، موضحاً أن الحديث عن الاكتفاء الذاتي لا ينعكس بشكل مستقر على أسعار السوق.

وقال المحسن في تصريح لوكالة “عراق أوبزيرفر” إن السوق المحلي يشهد قفزات سعرية بسبب فجوات موسمية في الإنتاج بين مناطق الجنوب والوسط، إلى جانب تأثيرات المناخ وشح المياه التي تؤخر نضوج المحصول وتقلل المعروض.

وأضاف أن العراق يعتمد على الاستيراد الإقليمي بما يزيد عن 40% من احتياجاته من الطماطم، ما يجعل السوق عرضة لتقلبات خارجية وتوترات إقليمية تنعكس مباشرة على الأسعار.

وأشار إلى أن غياب منظومة التخزين المبرد يؤدي إلى وفرة مؤقتة أثناء الحصاد يعقبها نقص حاد، بسبب اضطرار الفلاحين لتصريف كامل الإنتاج سريعاً، مما يخلق دورة من الانخفاض الحاد ثم الارتفاع الكبير في الأسعار.

وختم المحسن بالقول إن المشكلة الأساسية لا تكمن في القدرة الزراعية، بل في إدارة الفائض الزراعي والبنية التحتية للتخزين، مؤكداً أن الاكتفاء الذاتي الحالي “موسمي” ولا يحقق استقراراً دائماً في السوق.

في المحصلة، لم تعد عبارة “السعر على الخاص” حكرا على إعلانات السيارات في مواقع البيع، حيث تستخدم كإشارة مبطنة إلى أن السعر أعلى مما يقال علنا، بل وجدت طريقها اليوم إلى سوق الخضروات. فعندما تصل الطماطم إلى هذا المستوى من الارتفاع، يصبح تداولها أقرب إلى سلع تُحاط بالغموض السعري، لا بكونها مادة غذائية يومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });