العراقالمحررتحليلاتخاصرئيسيةسياسي

عراق أوبزيرفر تستعرضها من البرازيل مروراً بإيطاليا والصين وليس انتهاء بالعراق .. صولة الزيدي دخلت موسوعة ابرز عمليات مطاردة الفاسدين في العالم

 

بغداد / عراق اوبزيرفر

لم تكن الحروب وحدها ما هدد الدول الحديثة، فخلال العقود الأخيرة واجهت حكومات عديدة عدواً أكثر خطورة من الجماعات المسلحة والأزمات الاقتصادية، يتمثل في شبكات الفساد التي تغلغلت داخل مؤسسات الدولة وربطت السياسة بالمال والنفوذ. وبينما اكتفت بعض الحكومات بالشعارات، اختارت أخرى خوض معارك مفتوحة ضد منظومات الفساد، انتهى بعضها بسقوط رؤساء ووزراء وكبار رجال الأعمال.

واليوم، ومع الحملة الأمنية والقضائية الواسعة التي يشهدها العراق ضد متهمين بقضايا فساد، يعود السؤال: هل يقف العراق أمام تجربة مشابهة لما شهدته دول أخرى عندما قررت مواجهة “الدولة الخفية” داخل مؤسساتها؟

البرازيل وعملية “لافا جاتو”
في عام 2014 بدأ الأمر بتحقيق اعتيادي حول عمليات غسل أموال داخل محطة وقود ومغسلة سيارات، لكن المحققين البرازيليين سرعان ما اكتشفوا أنهم أمام شبكة فساد ضخمة امتدت إلى شركة النفط الوطنية “بتروبراس”، إحدى أكبر الشركات الحكومية في البلاد.

كشفت التحقيقات عن نظام متكامل يقوم على منح عقود حكومية بمليارات الدولارات لشركات محددة مقابل عمولات ورشى تُدفع لمسؤولين وسياسيين وأحزاب نافذة. ومع توسع التحقيقات بدأت الاعتقالات تتوالى لتشمل وزراء ونواباً وحكام ولايات ورؤساء شركات عملاقة.

لم تتوقف القضية عند حدود الموظفين أو الوسطاء، بل وصلت إلى رؤساء جمهورية سابقين وشخصيات كانت تُعد من أركان النظام السياسي البرازيلي. وخلال سنوات قليلة تحولت عملية “لافا جاتو” إلى أكبر حملة مكافحة فساد في تاريخ أمريكا اللاتينية، وأصبحت نموذجاً عالمياً في ملاحقة الشبكات المنظمة لا الأفراد فقط.

“الايدي النظيفة” في ايطاليا
في مطلع تسعينيات القرن الماضي كانت إيطاليا تعيش حالة استقرار سياسي ظاهري، لكن خلف الكواليس كانت الرشى والصفقات السياسية تتحكم بجزء كبير من عمل الدولة.

بدأت القضية باعتقال مسؤول محلي متهم بالحصول على رشوة، إلا أن التحقيقات اللاحقة كشفت منظومة فساد واسعة امتدت بين الأحزاب السياسية والشركات الكبرى ومؤسسات الدولة.

أطلقت السلطات عملية “الأيدي النظيفة”، وسرعان ما تحولت إلى زلزال سياسي حقيقي. مئات المسؤولين خضعوا للتحقيق، وعشرات السياسيين اعتُقلوا أو استقالوا، فيما انهارت أحزاب حكمت البلاد لعقود طويلة.

لم تكن النتيجة مجرد ملاحقات قضائية، بل إعادة تشكيل المشهد السياسي الإيطالي بالكامل، وهو ما جعل التجربة واحدة من أبرز الأمثلة على تأثير ملفات الفساد في تغيير الأنظمة السياسية.

الصين.. صيد “النمور” قبل “الذباب”
عندما وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السلطة عام 2012 أعلن حرباً شاملة على الفساد تحت شعار ملاحقة “النمور والذباب”، في إشارة إلى كبار المسؤولين وصغار الموظفين على حد سواء.

لم تكن الحملة مجرد إجراءات إدارية، بل عملية واسعة النطاق شملت مؤسسات الحزب والدولة والجيش والشركات الحكومية. وخلال سنوات قليلة تم التحقيق مع مئات الآلاف من المسؤولين، بينما سقط وزراء وقادة عسكريون وأعضاء بارزون في هرم السلطة الصينية.

تميزت التجربة الصينية بأنها لم تركز على ملفات محددة فحسب، بل سعت إلى إعادة بناء منظومة الرقابة الداخلية ومنع تشكل شبكات النفوذ التي تسمح بإعادة إنتاج الفساد مستقبلاً.

رومانيا.. القضاء الذي واجه الطبقة السياسية
بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي تعرضت رومانيا لضغوط كبيرة لمعالجة ملف الفساد الذي كان يمثل أحد أبرز معوقات الإصلاح.

أنشأت السلطات هيئة متخصصة لمكافحة الفساد تمتعت بصلاحيات واسعة ودعم قضائي قوي، لتبدأ سلسلة من التحقيقات التي استهدفت مسؤولين كباراً ونواباً ووزراء ورؤساء بلديات.

ومع مرور الوقت وصلت الملاحقات إلى شخصيات من الصف الأول في السلطة، بما في ذلك رئيس وزراء سابق، ما منح التجربة الرومانية سمعة دولية باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الأوروبية جرأة في مواجهة الفساد السياسي.

كوريا الجنوبية.. الرؤساء ليسوا فوق القانون
تميزت التجربة الكورية الجنوبية بقدرة القضاء على ملاحقة شخصيات كانت حتى وقت قريب تتربع على قمة السلطة.

شهدت البلاد محاكمات لرؤساء سابقين وكبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات العملاقة المرتبطة بعقود الدولة. كما كشفت التحقيقات شبكات معقدة من التمويل السياسي والعلاقات بين رجال الأعمال ومراكز القرار.

وأصبحت كوريا الجنوبية مثالاً على أن مكافحة الفساد لا تتوقف عند انتهاء ولاية المسؤول، بل تستمر حتى بعد مغادرته السلطة إذا ثبت تورطه في مخالفات أو استغلال للمنصب.

القاسم المشترك.. استهداف الشبكة لا الأشخاص
رغم اختلاف الأنظمة السياسية بين البرازيل والصين وإيطاليا ورومانيا وكوريا الجنوبية، فإن جميع تلك التجارب اشتركت في نقطة أساسية تتمثل بان النجاح لم يتحقق من خلال اعتقال شخص أو اثنين، بل عبر تفكيك شبكات كاملة تضم مسؤولين ووسطاء ومقاولين وممولين ومستفيدين.

فالفساد في الدول الحديثة لا يعمل بصورة فردية، بل ضمن منظومات مترابطة تحمي بعضها بعضاً، ولذلك فإن إسقاط الحلقة الأضعف فقط لا يؤدي إلى نتائج دائمة.

العراق.. هل بدأت المعركة الكبرى؟
تأتي الحملة الجارية في العراق في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بمحاسبة المتورطين في هدر المال العام والصفقات المشبوهة التي تراكمت على مدى أكثر من عقدين، وهو ما استجاب له رئيس الوزراء الجديد علي فالح الزيدي بعدما اعلن بشكل صريح عن محاربة الفساد والفاسدين ولم يكن مجرد شعار بل واقع فعلي نفذه منذ استلامه دفة الحكم.

ووفق المعطيات المتداولة، فإن المداهمات والاعتقالات الأخيرة لم تستهدف موظفين صغاراً فحسب، بل طالت شخصيات توصف بأنها من أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي، الأمر الذي منح الحملة زخماً واسعاً في الشارع العراقي.

وفي مؤشر جديد على محاربة الزيدي للفساد، اطلق الزيدي الحملة الاكثر جرأة في تأريخ العراق والتي نتج عنها اعتقال مسؤولين بارزين بتهمة الفساد لم يكن احد يتخيل رؤيتهم خلف القضبان.

واليوم الاثنين، اكد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، ان الحكومة ستستمر في مكافحة الفساد لاسترداد المال العام، وما جرى من صولةٍ ضد الفساد هي مرحلة أولى.

وقالت مصادر سياسية وأمنية عراقية، إنّ ما لا يقل عن 47 سياسياً ونائباً برلمانياً ومسؤولاً بالحكومة العراقية السابقة أُوقِفوا خلال الساعات الماضية، في حملة واسعة نفذتها قوات جهاز مكافحة الإرهاب، ووحدة العمليات الخاصة المرتبطة برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي.

ومن بين الذين اعتُقِلوا زعيم سياسي، ونائبة بارزة في البرلمان، إلى جانب وزير سابق. وتعتبر هذه الحملة الأوسع في العراق في مواجهة آفة الفساد المستشرية في البلاد. وأظهرت معلومات وجود عمليات رفع حصانة مسبقة عن عدد من النواب الذين دُهِمَت منازلهم، بعد عملية تنسيق بين رئاسة البرلمان والقضاء والحكومة، وهو ما اكدته هيئة النزاهة لاحقاً في بيان رسمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });