
بغداد / عراق اوبزيرفر
في كرة القدم، تُستخدم تقنية الـVAR للعودة إلى اللقطات الحاسمة وإعادة فحصها من جديد. وفي السياسة العراقية، أعادت حملة الاعتقالات الواسعة التي شهدتها بغداد وعدد من المحافظات، فجر الأحد، تسليط الضوء على تصريحات أطلقها سياسيون ومسؤولون على مدى سنوات، قدموا أنفسهم خلالها بوصفهم قادة لمعركة مكافحة الفساد، قبل أن يجد عدد منهم أنفسهم ضمن قوائم المطلوبين أو المعتقلين في قضايا فساد بعد الصولة الاخيرة التي اطلقها رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي.
الحملة التي وصفت بأنها من أكبر عمليات مكافحة الفساد في العراق خلال السنوات الأخيرة، طالت نواباً ومسؤولين وشخصيات سياسية بارزة، بعضهم اشتهر بخطاب هجومي ضد الفساد والفاسدين، بل إن بعضهم بنى جزءاً كبيراً من حضوره الجماهيري على هذا الخطاب.
وبالعودة إلى الأرشيف الإعلامي والتصريحات الموثقة، تظهر مفارقة لافتة بين ما كان يُقال بالأمس وما يجري اليوم على أرض الواقع.
حسنين الخفاجي.. “أبقى أطارد الفساد”
النائب حسنين الخفاجي كان من أكثر السياسيين الذين قدموا أنفسهم في موقع المواجهة مع الفساد.
وفي إحدى تصريحاته قال: “الدمعة تريد تنزل من عيني.. إني واعدت شعبي أن أبقى أطارد الفساد، وقلت لهم أقف مع الله ومعكم ضد الفساد وأكشف الفاسدين وأبحث عن ملفات فساد”.
الخفاجي رسم في حديثه صورة السياسي الذي يحمل مهمة ملاحقة الفاسدين والدفاع عن المال العام، لكن اسمه ظهر لاحقاً ضمن قائمة المعتقلين في الحملة الأخيرة التي تنفذها السلطات العراقية.
إبراهيم الصميدعي.. “أنظف يد سياسية في العراق”
أما المستشار السابق إبراهيم الصميدعي فقد أطلق واحداً من أكثر التصريحات إثارة للجدل في السنوات الماضية عندما قال: “أطالب الجهات التحقيقية تجي تفتش وتشوف جهازي، وأتحداهم يلكون شخص بشرفي ونزاهتي السياسية والوظيفية.”
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل أضاف: “أتحداهم في تاريخ العراق السياسي.. إني معروضة عليّ ملايين وما ماخذها، إني أنظف يد سياسية في العراق بعد الإمام علي بن أبي طالب.”
هذا التصريح عاد للتداول بقوة بعد ورود اسم الصميدعي ضمن الأشخاص الذين شملتهم إجراءات الاعتقال والتحقيق الأخيرة.
عالية نصيف.. “النظام السياسي شرعن الفساد”
النائبة عالية نصيف عُرفت لسنوات بخطابها الحاد ضد الفساد داخل مؤسسات الدولة.
وقالت في إحدى تصريحاتها: “النظام السياسي في العراق شرعن الفساد وأعطى نوعاً من الأريحية في سرقة أموال الشعب العراقي، لأن أغلب الاتفاقات السياسية هي لسرقة الشعب العراقي.”
وخلال تجمع انتخابي عام 2025 أكدت: “الحكومات السابقة من الفاسدين.. سنجعلهم يخرجون من الشباك.”
اليوم، وبعد سنوات من هذه التصريحات، جاء اسم نصيف ضمن قائمة الشخصيات التي طالتها الحملة الحكومية الأخيرة.
محمد جميل المياحي.. راوي ملفات الفساد
محافظ واسط السابق محمد جميل المياحي لطالما تحدث عن مواجهات خاضها مع جهات متنفذة داخل المحافظة.
وأكد في أكثر من مناسبة أنه كشف ملفات فساد مرتبطة بأطراف سياسية وحزبية نافذة، مشيراً إلى قيامه بإيقاف شركة وصفها بالوهمية في منفذ زرباطية الحدودي، كانت تستحصل مبالغ مالية عن الشاحنات المارة عبر الطريق الدولي.
المياحي قدم نفسه باعتباره طرفاً اصطدم بمصالح متنفذين وأحال ملفات إلى الجهات الرقابية، إلا أن اسمه ظهر أيضاً ضمن قوائم المعتقلين في الحملة الأخيرة.
زياد الجنابي.. الأحزاب تموّل نفسها من الفساد
رئيس لجنة النزاهة البرلمانية في الدورة الخامسة، النائب زياد الجنابي، كان من أبرز النواب الذين تحدثوا علناً عن الفساد الحزبي.
وقال في تصريح سابق: “بعض الأحزاب السياسية العراقية تعتمد في تمويلها المالي على الفساد المتراكم.”
وأضاف: “لا نريد لتمويل هذه الأحزاب من الوزارات أن يستمر للأمام، نريد أن نقطع الطريق عليهم.”
مثنى السامرائي.. “ثروتي انخفضت بعد السياسة”
أما زعيم تحالف العزم مثنى السامرائي فكان يدافع باستمرار عن مصادر أمواله وثروته.
وقال في إحدى المقابلات: “ثروتي قلت عما كانت عليه قبل أن أدخل في السياسة ولم تتضخم بعد دخولي البرلمان.”
وأضاف: “الثروة إجت بتعبنا وذراعنا وبعيداً عن المال العام.”
ومع انطلاق حملة الأحد، كان اسم السامرائي من بين أبرز الأسماء التي أعلنت السلطات شمولها بالإجراءات القضائية.
حملة غير مسبوقة
وتشهد بغداد منذ صباح الأحد حملة اعتقالات واسعة طالت مسؤولين سياسيين ونواباً ورجال أعمال، ضمن واحدة من أكبر عمليات مكافحة الفساد منذ سنوات، تستهدف شبكات متهمة بهدر المال العام وتهريب مليارات الدولارات.
وبحسب المعلومات المعلنة، شملت الحملة أسماء سياسية وبرلمانية وإدارية بارزة، فيما تشير مصادر أمنية وقضائية إلى أن التحقيقات ما تزال مستمرة وقد تمتد إلى مستويات أعلى، في إطار مرحلة جديدة من ملاحقة ملفات الفساد الكبرى.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه العراق تحديات كبيرة في ملف الشفافية ومكافحة الفساد، وسط مطالبات شعبية متزايدة بمحاسبة جميع المتورطين واسترداد الأموال العامة.
اللافت في المشهد الحالي أن عدداً من الأسماء التي تصدرت لسنوات المشهد الإعلامي بخطابات مكافحة الفساد، وجّهت اتهامات حادة لخصومها السياسيين، وتحدثت عن النزاهة والشفافية وملاحقة الفاسدين، تجد نفسها اليوم أمام اتهامات وتحقيقات تتعلق بالملف ذاته.



