آراءالعراقالمحررخاص

الوطن الذي وحدَ الإيرانيين و الطائفة التي فَرقت العراقيين!!!

د. حسين محمد الفيحان
توحدُ الإيرانيين دفاعاً عن بلدهم في الحرب الأخيرة لمواجهة الهجمات الخارجية، وفي تشييع قادتهم الذي شهد حضوراً جماهيرياً مليونياً واسعاً، يعكس تغليب انتمائهم الوطني على الانقسامات الداخلية في لحظات الخطر.

في المقابل يبدو المشهد العراقي أكثر تعقيداً، فمنذ عام 2003 ولليوم كرست منظومة المحاصصة السياسية خطاباً يقوم على تقسيم المجتمع وفق الانتماءات الطائفية و المذهبية والقومية، حتى بات كثير من العراقيين ينظرون إلى الأحداث الوطنية من خلال عدسة الانتماء المذهبي (الطائفي) أو الحزبي قبل النظر إليها بوصفها قضية تخص الوطن بأسره، ولم يكن هذا الانقسام وليد المجتمع العراقي وحده، بل ساهمت في ترسيخه سياسات الأحزاب المتنفذة وخطاباتها ومصالحها، حتى أصبح الولاء للطائفة أو الحزب يتقدم على الولاء للدولة و الوطن.

إن المقارنة هنا لا تعني أن المجتمع الإيراني يخلو من الخلافات والانقسامات، ولا أن المجتمع العراقي يفتقر إلى الحس الوطني، ففي العراق ملايين المواطنين الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، كما أن إيران تشهد بدورها تباينات سياسية واجتماعية معروفة.

لكن الفارق يكمن في أن التدخل و التهديد الخارجي غالباً ما يدفع قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى الاصطفاف خلف الدولة و الوطن، بينما كثيراً ما يتحول الحدث نفسه في العراق إلى مادة جديدة للجدل و الشحن الطائفي والتخوين و الانقسام الداخلي.

لقد دفعت الأحزاب السياسية العراقية خلال سنوات طويلة ثمناً باهظاً للوطن حين جعلت من الطائفة وسيلة للتعبئة السياسية، ومن الهوية الفرعية بديلاً عن الهوية الوطنية الجامعة، والنتيجة أن العراق، رغم ما يمتلكه من تاريخ وحضارة وإمكانات بشرية هائلة، ما زال يعاني من صعوبة إنتاج موقف وطني موحد في كثير من المحطات المصيرية.

كما أن بناء الدول لا يقوم على الطوائف، بل على المواطنة و لا تنهض الأوطان إلا عندما يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء في وطن واحد، وأن اختلافاتهم السياسية أو الدينية لا تلغي انتماءهم المشترك.
ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من التجربة الإيرانية هو أن الوطن الذي يتقدّم على كل الهويات الفرعية يكون أكثر قدرة على الصمود، بينما يبقى الوطن الذي تفرقه الانقسامات الداخلية أكثرُ عرضة للأزمات والتدخلات الخارجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });