
بغداد/ عراق أوبزيرفر
لم تعد ملفات الطاقة التي حملها رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة تقتصر على توقيع مذكرات تفاهم أو استقطاب شركات عالمية، بل اتجهت إلى طرح رؤية اقتصادية متكاملة تقوم على إنشاء مدينة الطاقة في شبه جزيرة الفاو، بوصفها مشروعاً يربط النفط والغاز والكهرباء والصناعات البتروكيمياوية بميناء الفاو الكبير وطريق التنمية، في محاولة لتحويل جنوب العراق إلى مركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية.
وجاء الإعلان عن المشروع خلال ملتقى الحوار الاقتصادي المشترك الذي نظمته غرفة التجارة الثنائية العراقية – الأمريكية في مدينة هيوستن، بالتزامن مع سلسلة اجتماعات أجراها الزيدي مع رؤساء كبرى شركات الطاقة العالمية، بينها إكسون موبيل وشيفرون وشل وهاليبرتون وبيكر هيوز وهانيويل ووذرفورد، لبحث فرص الاستثمار في قطاعات النفط والغاز والكهرباء، وسط تأكيد حكومي أن العراق يبحث عن شراكات استراتيجية طويلة الأمد تقوم على نقل التكنولوجيا وتعزيز القيمة المضافة، وليس الاكتفاء بعقود التنفيذ التقليدية.
وتتضمن مدينة الطاقة إنشاء مجمعات متكاملة لتكرير النفط، ووحدات لمعالجة وإنتاج الغاز، ومحطات لتوليد الكهرباء، إلى جانب ربطها بخطوط الأنابيب الاستراتيجية وميناء الفاو وطريق التنمية، بما يسمح بتكامل حركة الإنتاج والتصدير والصناعات التحويلية، ويمنح العراق فرصة لإعادة رسم موقعه في خارطة الطاقة الإقليمية.
بدوره قال الخبير في الشؤون الاقتصادية علي دعدوش إن “زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن تعد من أبرز الزيارات الاقتصادية خلال العقد الحالي، لأن آثارها المتوقعة تتجاوز الجانب السياسي وتمتد إلى الاستثمار والإنتاج وفرص العمل والتحول الاقتصادي”.
وأوضح دعدوش في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الاستثمار الأجنبي المباشر الذي كان يبلغ خلال السنوات الماضية نحو ثلاثة مليارات دولار سنوياً يمكن أن يرتفع، مع مشروع مدينة الطاقة، إلى أكثر من عشرين مليار دولار على المدى المتوسط والبعيد، وهو ما يمثل نقلة كبيرة في حجم رؤوس الأموال الداخلة إلى الاقتصاد العراقي”.
وأضاف أن “مدينة الطاقة ستوفر طاقات تكريرية جديدة تقلل اعتماد العراق على استيراد المشتقات النفطية، الأمر الذي يوفر للموازنة العامة أكثر من أربعة مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن مساهمتها في استثمار الغاز المصاحب وتقليل حرقه، وهو ما ينعكس على تقليص الاستيراد ورفع إنتاج الكهرباء بما يتراوح بين خمسة وعشرة آلاف ميغاواط”.
ويرى مختصون أن أهمية المشروع لا تتوقف عند قطاع الطاقة، بل تمتد إلى موقعه الجغرافي، إذ إن ربط مدينة الطاقة بميناء الفاو الكبير وطريق التنمية يمنح العراق منظومة اقتصادية متكاملة تجمع بين الإنتاج الصناعي والنقل والتصدير والخدمات اللوجستية، بما يفتح المجال أمام الصناعات البتروكيمياوية والغذائية والأنشطة المرتبطة بها.
وأكد دعدوش أن “ربط مدينة الطاقة بميناء الفاو وطريق التنمية يمثل خطوة ذكية تحقق التكامل الاقتصادي، لأن المشروع لا يقوم على تصدير النفط الخام فقط، وإنما على بناء صناعات ذات قيمة مضافة، بما يساعد العراق على الانتقال تدريجياً من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي”.
وفي رسالة مباشرة إلى المستثمرين، شدد رئيس الوزراء خلال الملتقى على أن العراق يريد “شركاء لا مقاولين”، في إشارة إلى توجه حكومي يستهدف جذب استثمارات طويلة الأجل تقوم على نقل التكنولوجيا وبناء الصناعات وتوفير فرص العمل، بالتوازي مع إصلاحات مالية ومصرفية وتحسين بيئة الاستثمار.
وفي هذا السياق، أوضح دعدوش أن “قانون الاستثمار العراقي يعد من أفضل القوانين في المنطقة، لما يوفره من ضمانات وإعفاءات ضريبية وكمركية وتسهيلات للمستثمرين، وهو ما يجعل التحول نحو الشراكة مع الشركات العالمية خطوة مهمة لتطوير الاقتصاد العراقي وتنويع مصادر الدخل”.
ويؤكد مختصون أن مشروع مدينة الطاقة، إذا ما اقترن بتنفيذ الإصلاحات الحكومية وتسريع مشاريع البنى التحتية، قد يشكل أحد أكبر المشاريع الاقتصادية في تاريخ العراق الحديث، ليس فقط لزيادة إنتاج النفط والغاز والكهرباء، وإنما لإعادة بناء سلسلة صناعية متكاملة، وتحويل الفاو إلى بوابة اقتصادية تستقطب الاستثمارات العالمية وتربط موارد الطاقة العراقية بحركة التجارة الإقليمية والدولية.




