
بغداد / عراق اوبزيرفر
تشهد الساحة العراقية في السنوات الأخيرة جدلاً متصاعدًا حول العملات المشفرة، تلك الظاهرة التي اجتاحت العالم وحولت مسارات الأموال من قنوات مصرفية تقليدية إلى فضاء رقمي بلا حدود ولا ضوابط. وبينما يحتل العراق مرتبة متقدمة نسبيًا عالميًا في مؤشرات تبني العملات المشفرة، تتعالى الأصوات الرسمية، وفي مقدمتها تحذيرات البنك المركزي العراقي والمستشارين الماليين لرئاسة الوزراء، بشأن ما تحمله هذه العملات من مخاطر قانونية ومالية وأمنية قد تكون مدمرة على الأفراد والاقتصاد الوطني.
أسباب لجوء العراقيين إلى العملات المشفرة
مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، أوضح في تصريح خاص لـ”عراق أوبزيرفر”، أن اللجوء إلى العملات المشفرة في العراق “يعود إلى أسباب جمة”، أبرزها اعتماد الأفراد على تلك العملات في التحويلات المالية إلى الخارج (Remittances)، لتفادي رسوم وقيود النظام المصرفي التقليدي.
وأضاف أن قلة الخيارات المصرفية، خصوصًا في المناطق غير المشمولة بالخدمات البنكية، دفعت الكثيرين إلى اختيار الطرق الرقمية اللامركزية التي يوفرها الفضاء الرقمي بسهولة.
ويرى صالح أن هذه الظاهرة ليست محصورة بالعراق، لكنها تكتسب في البلد طابعًا أكثر خطورة نتيجة هشاشة النظام المالي التقليدي، وقلة القنوات الرسمية التي يمكن أن يلجأ إليها المواطنون، ما جعل العملات المشفرة خيارًا سريعًا ومتاحًا لشريحة واسعة، خاصة الشباب.
*تحذيرات البنك المركزي والمخاطر المحدقة
وعلى الرغم من الانتشار المتزايد، يذكّر صالح بأن البنك المركزي العراقي أصدر تحذيرات شديدة ضد التعامل أو التداول بالعملات المشفرة، مشيرًا إلى المخاطر المرتبطة بالتقلبات المالية، والاحتيال، وتمويل الإرهاب.
وأوضح أن “مخاطر استخدام العملات المشفرة كبيرة جدًا وهي واقعية”، إذ تعرض العديد من الشباب إلى عمليات نصب وخسائر مالية جسيمة، وانعدام القدرة على الرجوع قانونيًا بسبب التعامل مع منصات غير مرخصة.
وبيّن أن التداول يجري غالبًا عبر وسطاء غير رسميين أو باستخدام شبكات افتراضية مثل الـVPN لتجاوز القيود، ما يجعل هذه العمليات بعيدة عن أي مظلة قانونية أو مصرفية حامية.
وأكد المستشار المالي أن الاعتماد على طرق غير رسمية مثل الوسطاء في دول مجاورة لتسهيل التحويلات أو السحب يزيد من هشاشة هذه المعاملات، فضلًا عن أن القابلية العالية للتقلب تجعل الناس عرضة لخسارة مدخراتهم بسرعة، مع أي تغيير حاد في أسعار العملات الرقمية.
السرقة الرقمية وغياب الضمانات
ويتابع صالح أن من أبرز مخاطر هذه الظاهرة تعرض المتعاملين لما سماه “السرقة الرقمية”، لكون التداول غير قانوني، ومن دون أي ضمانات أو أُطر لحماية المستثمرين، منوهاً إلى أن غياب السلطة المصرفية أو القانونية الحامية يجعل التعامل بالعملات المشفرة مخاطرة غير محسوبة، قد تودي بمدخرات الأفراد في لحظة.
وأشار كذلك إلى أن هذه العمليات تعد شكلاً من أشكال “التهريب الرقمي للأموال”، الذي يقع تحت طائلة قانون مكافحة غسل الأموال وأموال الجريمة والإرهاب. ولفت إلى أن لوائح مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تطبق على الصفقات الرقمية، خصوصًا إذا ارتبط الأمر بغرض جرمي، مبينًا أن المخالفين يواجهون عقوبات قاسية قد تصل إلى السجن بين 5 و15 سنة، أو غرامة تصل إلى خمسة أضعاف الأموال المغسولة.
*العراق في مؤشر “التبني العالمي” للعملات المشفرة
وفي مقابل هذه التحذيرات، جاءت بيانات دولية لتؤكد حجم انتشار الظاهرة في العراق. فقد كشف مؤشر “التبني العالمي” للعملات المشفرة عن حلول العراق في مرتبة متقدمة نسبيًا عالميًا، إذ جاء ضمن الثلث الأول لبلدان العالم في استخدام العملات الرقمية.
وبحسب النسخة السادسة من المؤشر العالمي، الذي يصنف 151 دولة، حلّ العراق في المرتبة 44 عالميًا، محققًا نقاطًا بلغت 0.05، ما يضعه في مقدمة دول المنطقة التي تبنت العملات المشفرة على المستوى الشعبي. وتفوّق العراق في هذا التصنيف على دول مثل السعودية، عمان، الكويت، الإمارات، قطر، والبحرين.
لكن، في المقابل، جاءت دول مثل تركيا واليمن والأردن في مراتب أعلى من العراق، ما يشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط بشكل عام تشهد سباقًا محمومًا في مجال العملات الرقمية.
آسيا والمحيط الهادي.. المسرح الأكبر للنمو
وعلى الصعيد الدولي، أظهرت البيانات أن منطقة آسيا والمحيط الهادي كانت الأسرع نموًا في نشاط العملات المشفرة، حيث حققت زيادة بنسبة 69% في القيمة المستلمة على أساس سنوي خلال الأشهر الاثني عشر الأخيرة. كما ارتفع إجمالي حجم معاملات العملات المشفرة في المنطقة من 1.4 تريليون دولار أمريكي إلى 2.36 تريليون دولار، ما يعكس الطفرة العالمية في هذا القطاع.




