
عراق أوبزيرفر/ بغداد
لا تستهلك المياه فقط، بل تخنق الأنهار وتطرد الأسماك وتعطل جريان الجداول، بهذه السرعة تتمدد “زهرة النيل” في عدد من المحافظات العراقية، لتتحول من نبات زينة دخل البلاد قبل عقود إلى واحدة من أخطر الآفات البيئية التي تهدد الموارد المائية، ومع اتساع رقعة انتشارها وتحذيرات وزارة الموارد المائية من وصولها إلى الأهوار، يواجه العراق معركة جديدة لا تقل خطورة عن معركة الجفاف نفسها.
وكشف وزير الموارد المائية مثنى التميمي عن تفشي زهرة النيل في خمس محافظات عراقية، محذراً من وصولها إلى الأهوار الجنوبية، ومؤكداً أن مكافحتها تتطلب جهداً وطنياً مشتركاً بسبب خطورتها الكبيرة وسرعة انتشارها.
وتعتبر زهرة النيل من أكثر النباتات المائية الغازية انتشاراً في العالم، وهي نبات طافٍ سريع النمو يتضاعف خلال فترات قصيرة جداً، ما يجعله قادراً على تكوين كتل نباتية كثيفة تغطي المسطحات المائية بالكامل خلال أسابيع معدودة.
ويعود الموطن الأصلي للنبتة إلى أميركا الجنوبية، لكنها انتقلت إلى عشرات الدول عبر الزينة أو النقل غير المقصود، قبل أن تتحول إلى مشكلة بيئية خطيرة بسبب قدرتها على استهلاك المياه وإعاقة حركة الجريان والتأثير في التوازن البيئي للأنهار والبحيرات.
ويقول المهندس الزراعي الاستشاري عبدالكريم عبدالله لـ”عراق أوبزيرفر” إن “زهرة النيل دخلت إلى العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي عبر بعض المشاتل الزراعية، وتمتاز بقدرة عالية جداً على التكاثر، إذ يمكن أن تتضاعف خلال أسبوعين فقط في الظروف الملائمة”.
وأضاف أن “النبتة تمتلك ساقاً منتفخاً يساعدها على الطفو فوق سطح الماء، كما تمتلك أوراقاً عريضة تزيد من معدلات التبخر واستهلاك المياه، حيث تستهلك النبتة الواحدة ما بين ثلاثة إلى خمسة لترات من المياه يومياً”.
وأوضح بلال أن “خطورة زهرة النيل لا تتوقف عند استنزاف المياه، بل تمتد إلى التأثير المباشر على البيئة المائية، إذ تشكل غطاءً كثيفاً يمنع وصول الضوء والأوكسجين إلى المياه، ما يؤدي إلى تراجع نمو الطحالب والكائنات الدقيقة والأسماك، ويهدد التنوع الأحيائي في الأنهار والجداول”.
ويأتي هذا التحذير في وقت تؤكد فيه وزارة الموارد المائية أن بعض الجداول والأنهار الفرعية في محافظات جنوب ووسط العراق باتت تشهد انتشاراً متزايداً للنبتة، الأمر الذي يعيق حركة المياه ويزيد من تعقيد إدارة الموارد المائية في ظل ظروف الشح الحالية.
وتشير تقارير بيئية إلى أن النباتات الكثيفة التي تشكلها زهرة النيل تؤدي إلى انسداد قنوات الري والمبازل، وتزيد من كلفة أعمال الصيانة والتطهير، فضلاً عن رفع معدلات فقدان المياه بالتبخر، وهو ما يمثل تحدياً إضافياً للقطاع الزراعي العراقي.
وحول آليات المعالجة، أوضح بلال أن “المكافحة تعتمد على ثلاثة مسارات رئيسية، أولها الإزالة الميكانيكية باستخدام الحفارات أو من خلال حملات ميدانية واسعة تشترك فيها وزارات البيئة والموارد المائية والزراعة ومنظمات المجتمع المدني واتحاد الجمعيات الفلاحية”.
وأضاف أن “الطريقة الثانية تتمثل باستخدام حواجز وموانع شبكية للحد من انتقال النبتة ومنع تمددها إلى مناطق جديدة قبل الشروع بإزالتها”، مبيناً أن “الطريقة الثالثة تعتمد المكافحة الحيوية باستخدام سوسة زهرة النيل التي تتغذى على السيقان والأوراق وتؤدي إلى إضعاف النبات والقضاء عليه تدريجياً”.
ويرى مختصون أن التهديد الأكبر يكمن في وصول زهرة النيل إلى أهوار جنوب العراق، إذ إن المساحات المائية الواسعة والبيئة المناسبة قد توفر ظروفاً مثالية لانتشارها بشكل يصعب احتواؤه مستقبلاً.
ومع استمرار تراجع الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة، تبدو معركة العراق مع زهرة النيل أكثر تعقيداً من مجرد إزالة نباتات طافية، إذ ترتبط بحماية الأمن المائي والبيئي والغذائي للبلاد، في مواجهة واحدة من أخطر النباتات الغازية التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة.




