اقتصادتحليلات

تقرير أمريكي يرصد دور روسيا في قطاع النفط والغاز بالعراق

بغداد / وكالات الأنباء

سلّط موقع “انترناشيونال بوليسي دايجست” الأمريكي، الضوء على تنامي الدور الروسي في قطاع النفط والغاز في العراق وإقليم كوردستان، معتبراً أن موسكو تتقدم إستراتيجياً، مع بكين كحليف لها، نحو السيطرة على مشهد الطاقة والاستثمار في العراق، في محاولة لإبعاد بغداد عن ارتباطاتها الغربية في هذا المجال.

 

وبعدما أشار التقرير الأمريكي، إلى أن حصة روسيا في قطاع الطاقة العراقي ستصل إلى 19 مليار دولار، ذكّر بأن شركة نفط ذي قار المملوكة للدولة، أقرّت خطط تطوير احتياطيات المنطقة 10، وهو قطاع يشمل حقل أريدو بأكمله، وهو أهم اكتشاف نفطي على الأراضي العراقية منذ العام 2003، حيث تشير التقديرات إلى أن حقل نفط أريدو يضم احتياطياً يتراوح بين 7 و10 مليارات برميل.

 

“لوك أويل” الروسية

 

ولفت التقرير إلى أن انسحاب شركة “انبكس” اليابانية من حصتها البالغة 40 % في المنطقة 10، والتي تضم الاكتشاف الضخم في أريدو، سهل الطريق أمام شركة “لوك أويل” الروسية لتأكيد هيمنتها على هذه المساحة الغنية بالموارد، في حين أن خروج “إكسون موبيل” من حقل نفط غرب القرنة المربح في البصرة، أتاح للشركة الروسية استعادة اسهمها.

 

واعتبر التقرير أن نسيج التعاون العسكري وفي مجال الطاقة بين روسيا والعراق يرسم صورة لعلاقات التعاون المتزايدة بعمقها بينهما، مشيراً إلى أن شركة مثل “لوك أويل” قامت بتخصيص نحو 11 مليار دولار للمحافظات الجنوبية، خصوصاً في منطقة البصرة.

 

وتابع التقرير أن القطاع البحري يبرز أيضاً كأرضية خصبة للتعاون الروسي العراقي، مضيفاً أنه في ظل الموقع الإستراتيجي للعراق على القنوات البحرية الحيوية، والذي تكمله الخبرة الروسية المتمرسة في تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية البحرية، يجعل من تقارب المصالح واضحاً بشكل لا لبس فيه.

 

وأضاف التقرير أن مثل هذه المشاريع التعاونية التي تهدف إلى تطوير البنية التحتية للموانئ العراقية وتعزيز التعاون البحري، ستؤدي إلى تعزيز كفاءة وإنتاجية معابر التجارة البحرية في العراق بشكل كبير، وهو ما سيجذب تدفقات استثمارية متزايدة.

 

الإستراتيجية الروسية

 

ويطرح التقرير تساؤلات حول الدوافع الكامنة وراء التحول الإستراتيجي الروسي في المنطقة، وما إذا كانت المشاريع الإستراتيجية الروسية والصينية في العراق وجواره هي بمثابة تصحيح للمظالم التاريخية التي تعود إلى حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

 

كما يتساءل التقرير عن تداعيات موارد النفط والغاز في العراق وإقليم كوردستان على الطموحات الجيوسياسية الروسية، مضيفاً “ما هي السرديات التاريخية والسياسية التي قد يكتبها الوجود الروسي في المنطقة بالنسبة للعراق والسكان الكورد؟”.

 

وبعدما لفت التقرير إلى أنه يجب على الأطراف اللاعبة في قطاع الطاقة  التنبه إلى التحولات الزلزالية التي حدثت خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل ظهور وباء كورونا الذي أعاد تشكيل سلوك أصحاب المصلحة الرائدين في سوق النفط في العالم وأعاد تحديد الإستراتيجيات السياسية والدبلوماسية على المستوى الإقليمي، اعتبر التقرير أن روسيا بدأت من إقليم كوردستان ما أسماه “تلاعبها الإستراتيجي”.

 

وأوضح التقرير أن “روسنفت” و”غازبروم”، الشركتان العملاقتان اللتان تعملان كامتداد لجهاز الدولة الروسية، على الرغم من أن مساعيهما تحمل أهدافاً تجارية، إلا أنهما تخدمان توجيهات الحكومة الروسية، ورؤية فلاديمير بوتين، وعدد كبير من رجال الأعمال الذين ترتبط ثرواتهم بالقدرة على الوصول بلا انقطاع إلى خزانات الطاقة العالمية، مشيراً على سبيل المثال إلى أن “روسنفت” برزت منذ العام 2018 باعتبارها ذراعاً قوية لمصالح الدولة الروسية، حيث برزت أهميتها من خلال الاستثمارات الضخمة عبر ميادين السياسة الخارجية الرئيسية لروسيا، والتي تمتد عبر القطب الشمالي والصين وفيتنام وفنزويلا وأفريقيا والشرق الأوسط.

 

إقليم كوردستان

 

وأشارالتقرير إلى ما يمثل حدثاً مهماً حصل في حزيران/ يونيو 2017، فقد شارك وفد من حكومة إقليم كوردستان، برئاسة رئيس الوزراء وقتها نيجيرفان بارزاني، ونائب رئيس الوزراء قوباد طالباني، ووزير الموارد الطبيعية آشتي هورامي، منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي، فيما توج المنتدى، الذي اجتذب 130 زعيماً وطنياً و12 ألف مشارك، بعقد مهم مع شركة “روس أويل”.

 

وقال التقرير إنه من خلال الاتفاقية المبرمة بين إقليم كوردستان و”روسنفت”، فإنه جرى تخصيص استثمار بقيمة مليار دولار لبناء خط أنابيب للغاز المسال من الإقليم إلى الأسواق التي حددتها “روسنفت”، مضيفاً أن هذه الشركة قدمت منذ العام 2017، قروضاً بقيمة 3.5 مليار دولار لحكومة إقليم كوردستان، وأبرمت صفقات لتطوير خمس مناطق نفطية.

 

وتابع قائلاً إن هذه الاتفاقية اكتسبت أهمية أكبر عندما قامت أهم شركتين أمريكيتين للطاقة، هما “إكسون موبيل” و”شيفرون”، بإخلاء عدة حقول في إقليم كوردستان بين عامي 2015 و2016.

 

ولفت إلى أنه في خضم الهجوم العسكري ضد تنظيم داعش، قامت الحكومة الاتحادية في بغداد بحجب الدعم المالي لإقليم كوردستان، بما في ذلك المخصصات المالية لقوات البيشمركة.

 

وأضاف أنه مع اقتراب الإقليم من الاستفتاء على الاستقلال في العام 2017، كان من الواضح أن واشنطن لن تدعم الكورد ضد بغداد أو تدعم سعيهم للحصول على السيادة السياسية، مشيراً إلى أنه برغم التصويت لصالح الاستقلال، إلا أنه جرى إحباط الاستفتاء الكوردي بسبب ضغوط الحكومة العراقية وغياب المساندة من جانب واشنطن.

 

ولفت إلى أنه فيما يتعلق بالعراق، فإن نهاية لعبة المناورات الروسية اتضحت من خلال الهيمنة الروسية الفعالة على قطاعي النفط والغاز في إقليم كوردستان، موضحاً أنه جرى إحكام القبضة من خلال إستراتيجية ثلاثية الجوانب.

 

وتمثلت هذه الإستراتيجية بتمويل مقدم بقيمة 1.5 مليار دولار من خلال مبيعات النفط المتقدمة، وحصة تشغيلية بنسبة 80% في الكتل النفطية الخمس المحورية في المنطقة، وحصة 60% في خط الأنابيب المهم الذي أنشاته في السابق حكومة إقليم كوردستان.

 

وأضاف التقرير أن خط الأنابيب هذا، المحدد استثماره بقيمة 1.8 مليار دولار لرفع طاقته إلى مليون برميل يومياً، أصبح منذ ذلك الحين حجر الزاوية للنفوذ الروسي في المنطقة.

 

واعتبر التقرير أن الخطوة النهائية في التكتيكات الروسية لمخططها يتمثل في الدمج بين إقليم كوردستان بسلاسة مع بقية العراق، وأن الهدف الروسي في العام 2017 لم يكن فقط لتوسيع النفوذ الروسي في العراق، وأنما كان المناورة في إقليم كوردستان كمقدمة لهيمنة أوسع نحو جنوب العراق، مضيفاً أن روسيا تستهدف بذلك أن تتسيد فكرة توحيد شمال العراق وجنوبه تحت نفوذها، مما يؤكد طموحاتها التوسعية الطويلة.

 

التاريخ المشترك

 

وذكر التقرير أن مشاركة روسيا في العراق وقطاع الطاقة في إقليم كوردستان ظهرت كتطور مهم في المشهد الجيوسياسي، لافتاً إلى أن أصول العلاقات التجارية والاستثمارية بين المنطقتين تعود إلى ماضٍ معقد.

 

وأشار إلى طرق التجارة في العصور الوسطى الممتدة على نهر الفولغا وبحر قزوين، وصولاً إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية في العام 1944، حيث جرى وضع الأساس لتحالف إستراتيجي، وأن هذا الرابط تعزز بشكل أكبر عندما قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإعفاء العراق من الكثير من ديونه التي تعود إلى الحقبة السوفياتية في العام 2008، مما مهد الطريق لصفقة نفط بقيمة 4 مليارات دولار وعكس المشاركة الاقتصادية الأعمق.

 

وتابع التقرير أنه برغم ذلك فإن المناخ السياسي لم يكن دائماً مواتياً لتحقيق تقدم متواصل، لافتاً في هذا الإطار إلى أن كركوك، مهد صناعة النفط العراقية، شهدت نصيبها من الاضطرابات.

 

وأضاف أن مذكرة التفاهم التي وقعتها شركة “بريتيش بتروليوم” في العام 2013 مع شركة نفط الشمال التابعة لوزارة النفط العراقية، بمثابة تطور واعد في مجال الاستكشاف والأبحاث الميدانية.

 

وتابع أن غزو تنظيم داعش والسيطرة اللاحقة على حقول نفط كركوك من قبل القوات الكوردية قد أعاق العمليات، مما أدى إلى خروج “بريتيش بتروليوم” في نهاية المطاف، تاركة وراءها عملها وعدم تحقيق زيادة إنتاجية تحويلية محتملة، مبيناً أن “هذا الرحيل فتح الباب أمام الشركات الروسية لتعزيز حضورها في المنطقة”.

 

الخاتمة

 

وختم التقرير بالقول إن المصالح الإستراتيجية لروسيا في المنطقة، تتخطى العلاقات الاقتصادية البسيطة، موضحاً أن مفهوم أوراسيا، الذي يشكل حجر الزاوية في الفكر الجيوسياسي الروسي، يعكس طموحاً لتغيير النظام الأحادي القطب للحكم العالمي.

 

وتابع قائلاً إن هذا الهدف يتضح من خلال رغبة روسيا في الحفاظ على وجودها في أحواض الطاقة الإستراتيجية، التي تهيمن عليها القوى الغربية تاريخياً.

 

وأضاف أن موقع تركيا الإستراتيجي في قلب أوراسيا، يؤكد على أهميتها في أي تعاملات طاقة تنطلق من إقليم كوردستان أو العراق.

 

وتابع قائلاً إن “قطاع الطاقة في إقليم كوردستان، باقتصاده السياسي المعقد وتحديات الأمن القومي، ينتظر مشروعاً إستراتيجياً شاملاً لتعزيز موارده الطبيعية، وأنه من شأن مثل هذه المبادرة أن تمكن الإقليم من الخضوع لتحول جيوسياسي، وزيادة قوته السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والأمنية”.

 

وخلص التقرير الأمريكي إلى القول أن التدخل الروسي المتزايد في قطاعي الطاقة في العراق وإقليم كوردستان، يعكس نمطاً أوسع من الطموح الاقتصادي والموقع الإستراتيجي، لكن الطريق إلى تعزيز هذه العلاقات حافل بالتحديات، الداخلية والخارجية.

 

وأضاف أن “التوترات الجيوسياسية، والعقوبات الدولية، والبيئة التنظيمية المعقدة، تخلق عقبات كبيرة أمام التعاون الاقتصادي، ولهذا فإن الانخراط في حوار مستمر على المستويين الثنائي والإقليمي يعتبر أمراً ضرورياً لمعالجة هذه المخاوف وتعزيز بيئة مستقرة للتعاون الاقتصادي”.

 

وختم قائلاً إن تعزيز البنية التحتية المالية واستكشاف آليات تمويل بديلة، قد يخفف من الحواجز المالية، ويسهل تدفقات التجارة والاستثمار بين روسيا والعراق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى