
بغداد/ عراق أوبزيرفر
دخل العراق خلال الأيام الأخيرة مرحلة سياسية وأمنية غير مسبوقة، بعد سلسلة تطورات متلاحقة أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات تعقيداً منذ عام 2003، وهو ملف السلاح خارج إطار الدولة. وبينما كانت الحكومات العراقية المتعاقبة ترفع شعار حصر السلاح بيد الدولة دون أن تتمكن من تحقيق اختراق فعلي، يبدو أن حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي تقف اليوم أمام فرصة قد تكون الأهم في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.
وجاءت البداية مع إعلان زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر فك ارتباط “سرايا السلام” بالتيار وإلحاقها بالدولة، في خطوة عدها مراقبون تحولاً كبيراً داخل البيئة السياسية الشيعية، نظراً لحجم السرايا وتأثيرها السياسي والشعبي. ولم تمضِ أيام قليلة حتى أعلنت حركة عصائب أهل الحق تشكيل لجنة مركزية تتولى استكمال إجراءات فك الارتباط وجرد الأسلحة والأفراد والآليات والارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة، في مؤشر عملي على انتقال ملف حصر السلاح من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الإجراءات.
تفويض شامل
وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية لأنها تأتي للمرة الأولى من داخل القوى والتيارات التي تمتلك تشكيلات مسلحة مؤثرة، الأمر الذي يجعل الحديث عن حصر السلاح أكثر واقعية من أي وقت مضى. كما أن هذه الخطوات تزامنت مع موقف واضح تبناه الإطار التنسيقي خلال اجتماعه الأخير، حين أعلن دعمه مشروع حصر السلاح بيد الدولة وتفويض الحكومة بالمضي في هذا المسار.
ويرى مراقبون أن نجاح الزيدي في إدارة هذا الملف قد يجعله أحد أكثر رؤساء الحكومات تأثيراً منذ عام 2003، خصوصاً أن ملف السلاح ظل لعقود خطاً أحمر استعصى على الحكومات السابقة رغم الضغوط الداخلية والخارجية المتواصلة. ويشير هؤلاء إلى أن مجرد انتقال الفصائل من مرحلة الرفض أو التحفظ إلى مرحلة الحوار والتنظيم والجرد يمثل تحولاً كبيراً في طبيعة المشهد العراقي.
نقاشات الإطار
وفي هذا السياق، قال القيادي في الإطار التنسيقي عامر الفائز إن “قوى الإطار التنسيقي بمختلف مكوناتها متفقة على ضرورة دعم مشروع حصر السلاح بيد الدولة، باعتباره خطوة أساسية لتعزيز هيبة المؤسسات وترسيخ الاستقرار في البلاد”.
وأضاف الفائز لـ”عراق أوبزيرفر” أن “هناك إجماعاً داخل الإطار على توفير كل ما يحتاجه رئيس الوزراء لإنجاح هذا المسار، سواء من خلال الغطاء السياسي أو التشريعات المطلوبة أو المواقف الوطنية الداعمة، لأن المرحلة الحالية تتطلب توحيد الجهود خلف مشروع الدولة القوية القادرة على احتكار السلاح وتطبيق القانون على الجميع”.
وأكد أن “ما شهدناه خلال الأيام الماضية من خطوات اتخذتها بعض القوى الوطنية يمثل مؤشرات إيجابية ومهمة، ويمكن أن يشجع بقية التشكيلات على المضي بالاتجاه نفسه ضمن رؤية وطنية تحفظ الأمن والاستقرار وتدعم مؤسسات الدولة”.
ومع ذلك، لا يخفي مختصون أن الطريق ما زال طويلاً ومعقداً، فهناك تحديات قانونية وأمنية وتنظيمية تتعلق بآليات الدمج والتسليم وإعادة الهيكلة، فضلاً عن وجود فصائل لم تعلن حتى الآن مواقف تفصيلية بشأن مستقبل سلاحها. لكنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة لم يكن مطروحاً بهذه الجدية في أي مرحلة سابقة.
ترحيب دولي
ولم يقتصر صدى التحركات الأخيرة على الداخل العراقي، بل حظيت بترحيب دولي لافت، خصوصاً من الولايات المتحدة التي طالما دعت إلى حصر السلاح بيد الدولة، في وقت أبدت فيه قوى وطنية عراقية دعمها الكامل للمسار الذي يقوده الزيدي، معتبرة أن البلاد تقف أمام فرصة نادرة للانتقال من مرحلة تعدد مراكز القوة إلى مرحلة الدولة القادرة على احتكار القرار الأمني والعسكري.
وبينما تتجه الأنظار إلى الخطوات المقبلة، يبرز سؤال يتردد بقوة داخل الأوساط السياسية والشعبية، هل ينجح علي الزيدي في إنجاز الملف الذي عجزت عنه الحكومات المتعاقبة؟ وإذا تحقق ذلك فعلاً، فإن الرجل لن يسجل إنجازاً حكومياً عادياً فحسب، بل قد يدخل التاريخ بوصفه رئيس الوزراء الذي نجح في فتح الطريق أمام قيام دولة تحتكر السلاح والقرار الأمني للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين.






