آراء

شمس العراقي

حمزة مصطفى يكتب لـ عراق اوبزيرفر

شمس العراقي
مات السياب (بدر شاكر) في الكويت عام 1964 وهو القائل “الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام.. حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق”. كان يوم وفاته ممطرا ويوم تشييعه ممطرا لأن الدنيا كانت يومذاك تمطر في الشتاء طبقا لقاعدة المناخ الأزلية “حار جاف صيف بارد ممطر شتاء” صار الجفاف صيفا وشتاء. مات العراقي (كريم) في أبوظبي 2023 وهو القائل (الشمس شمسي والعراق عراقي.. ماغير الدخلاء من أخلاقي). تحولت قصيدة “غريب على الخليج” التي تغنى فيها السياب بشمس بلاده التي هي أجمل من سواها من شموس من وجهة نظره الشعرية الى واحدة من أيقونات الشعر العربي الحديث. أما الشعر الحديث “الحر” فإن أبا غلان يقف مثالثة مع زميليه عبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة على رأس مجدديه. هي الأخرى تحولت قصيدة “الشمس شمسي والعراق عراقي” الى أشبه بنشيد وطني حيث أداها بفخامة الفنان جعفر الخفاف.
السياب عاش غريبا ومات غريبا حاله في ذلك حال زميله عبد الوهاب البياتي الذي كان يلهج بغربته حتى مات غريبا أيضا وهو القائل مخاطبا ولده علي “ونحن من منفى الى منفى ومن باب لباب.. نذوي كما تذوي الزنابق في التراب.. فقراء ياولدي نموت وقطارنا أبدا يفوت”. لا أعرف إن كان القدر يلاحق شعراء العراق بحيث بات محكوما عليهم الموت بالغربة والدفن بين مدافن الغرباء في هذه العاصمة أو تلك أو نقل الجثامين الى الوطن على متن طائرات خاصة بأوامر رسمية؟ نعم هذا هو الحال, وهذه هي الحقيقة. قائمة الشعراء الذين ماتوا في الغربة ودفنوا فيها طويلة وتطول معا وقد لاتتسع مساحة المقال الى ذكر كل الأسماء التي خلفت بصمات خالدة في الشعر والحياة.
ومع أن قائمة الموتى الغرباء لاتقتصر على الشعراء فقط بل تشمل روائيين وقصاصيين ونحاتين ورسامين وملحنيين وموسيقيين وعلماء ومبدعين لكن حظ الشعراء من مغازلة الحياة بطعم الموت وبالعكس يبقى الأكثر سطوعا لا سيما حين تكون علاقتهم بالأشياء محسوسة أكثر من سواهم من كبار المبدعين. فالشمس هذا الجرم السماوي الهائل حين يعيد صياغته الشاعر تتحول أشعته المذهلة الى خيوط من ذهب فتصبح أجمل من سواها لدى السياب وتصبح ملكا خاصا لدى كريم العراقي. ولأن أخيلة الشعراء لاتحدها حدود فإن شاعرا مثل سعدي يوسف ذهب في خياله الجموح الى أقصى مايمكن أن تبلغه الصورة الشعرية الكاملة الأركان. يقول سعدي في قصيدة “سيدة النهر” توهّمْتُ أنكِ زاويتي ، والمَدارُ الذي يقفُ النجمُ فيهِ.. توهّمْتُ نخلَ السماوةِ ، نخلَ السماواتِ”. الوهم أحد مكونات مخيلة الشاعر القادرة دائما على منحنا كمية هائلة من السراب الذي نتوهمه نحن القراء ماء. مع ذلك نبقى نحن وشعراؤنا نتقاسم الوجع والحنين والألم وبقية الأمل في أن يضم الرفات قبر يمنح الشاعرطمأنينة أبدية. فالشاعريبقى رهين محبسه إن كان في الغربة أم الوطن. مات مظفر النواب قبل كريم العراقي بنحو سنتين خارج العراق فحظي بقبر وتشييع في الوطن, ومات كريم العراقي قبل يومين فحظي بقبر وتشييع في الوطن. ومات ياس خضر صوت الأرض في نفس يوم موت كريم العراقي. رحل حمد وبقي الريل وتلك حكاية أخرى تحتاج الى مساحة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى