
بغداد / عراق أوبزيرفر
لم تعد حملة مكافحة الفساد التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي شأناً عراقياً داخلياً فحسب، بل تحولت خلال ساعات إلى مادة رئيسية في وسائل الإعلام العربية والدولية التي أفردت مساحات واسعة لتغطية الاعتقالات الواسعة التي طالت سياسيين ونواباً ومسؤولين كباراً، في مشهد وصف بأنه “غير مسبوق” في تاريخ الدولة العراقية.
وتباينت زوايا التناول الإعلامي بين التركيز على حجم الاعتقالات، وربط الحملة بملف حصر السلاح بيد الدولة، واعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة الجديدة على مواجهة شبكات النفوذ والفساد التي تراكمت على مدى أكثر من عقدين.
“عربي 21”: هذه مجرد المرحلة الأولى
موقع “عربي 21” سلط الضوء على تصريحات رئيس الوزراء علي فالح الزيدي التي أكد فيها أن ما جرى يمثل “مرحلة أولى” فقط من الحرب على الفساد، وأن الحكومة ماضية في استرداد الأموال العامة وملاحقة المتورطين.
وركز الموقع على تأكيد الزيدي أن السكوت على ما وصلت إليه الأوضاع لم يعد ممكناً، مشيراً إلى أن الدولة دخلت مرحلة جديدة تقوم على تعزيز قوتها ومؤسساتها وعدم السماح للفاسدين بالبقاء داخل أجهزة الدولة.
كما أبرز التقرير اعتماد الاعتقالات على اعترافات وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، والتي قادت إلى ملاحقة مسؤولين سياسيين وبرلمانيين وردت أسماؤهم في التحقيقات.
اندبندنت عربية: مسار مزدوج لحصر السلاح وتجفيف الفساد
أما “اندبندنت عربية” فذهبت إلى قراءة أعمق للحملة، معتبرة أن الحكومة العراقية أطلقت مساراً مزدوجاً يجمع بين حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد المالي والإداري.
ورأت الصحيفة أن الحكومة الحالية تحاول معالجة أبرز ملفين أرهقا الدولة العراقية منذ سنوات، من خلال إعادة بناء مؤسسات الدولة واحتكارها للقوة المسلحة بالتوازي مع تفكيك شبكات الفساد.
وأشار التقرير إلى أن الزيدي ربط بشكل مباشر بين بناء الدولة وإنهاء ظاهرة السلاح خارج المؤسسات الرسمية، وبين الإصلاحات الرقابية والاقتصادية الهادفة إلى حماية المال العام.
كما تناول التقرير ردود فعل الشارع العراقي الذي أكد دعم الحكومة في ملاحقة “الحيتان الكبيرة” بعد سنوات طويلة من الاكتفاء بالشعارات والوعود السياسية.
“دي دبليو” الألمانية: مداهمات داخل المنطقة الخضراء
من جهتها ركزت شبكة “دي دبليو” الألمانية على الجانب الأمني للحملة، ووصفت ما جرى بأنه عملية واسعة النطاق نفذتها قوات النخبة التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب داخل المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد.
وسلط التقرير الضوء على عمليات الدهم التي استهدفت منازل شخصيات سياسية بارزة، وعلى الإجراءات الأمنية المشددة التي رافقت الحملة، بما في ذلك إغلاق مداخل المنطقة الخضراء وفرض قيود واسعة على الحركة.
وأشارت الشبكة إلى أن الحملة جاءت في إطار وعود الزيدي باجتثاث الفساد الذي يمثل أحد أكثر التحديات المزمنة التي تواجه الدولة العراقية، مؤكدة أن السلطات أعلنت توقيف عشرات المتهمين واستمرار الملاحقات بحق آخرين.
مونت كارلو الدولية: ما علاقة الفصائل؟
إذا كانت بعض المؤسسات الإعلامية ركزت على البعد القضائي للحملة، فإن إذاعة مونت كارلو الدولية اختارت زاوية مختلفة، متسائلة عن العلاقة بين الحملة وملفات تمويل الفصائل والنفوذ الإقليمي.
وأشارت إلى أن بعض التحقيقات تتقاطع مع ملفات تتعلق بتهريب الدولار والنفط وتمويل جهات مسلحة، فيما ربطت مصادر تحدثت للإذاعة بين الحملة وبين استعدادات رئيس الوزراء لزيارة الولايات المتحدة.
كما ركز التقرير على التزام الزيدي بمحاربة الفساد وسوء الإدارة اللذين رافقا الدولة العراقية لعقود طويلة، وعلى حجم الأموال التي تم الكشف عنها خلال التحقيقات المرتبطة بملف عدنان الجميلي.
“العربي الجديد”: رفع سقف المواجهة
أما صحيفة “العربي الجديد” فقد وصفت ما يجري بأنه رفع لسقف المواجهة مع شبكات الفساد والنفوذ السياسي.
وركزت الصحيفة على تعهدات رئيس الوزراء باستعادة الأموال العامة وحصر السلاح بيد الدولة، معتبرة أن الحكومة تخوض مواجهة مفتوحة مع شبكات سياسية وإدارية نافذة.
كما سلط التقرير الضوء على استمرار عمليات الملاحقة وعدم وجود سقف زمني محدد للحملة، مع الإشارة إلى أن العديد من المطلوبين حاولوا الفرار أو الاختفاء بعد صدور أوامر القبض بحقهم.
وتوقفت الصحيفة عند الرسائل السياسية التي أطلقها الزيدي خلال اجتماع مجلس الوزراء، ولا سيما تأكيده أن أي فاسد لن يتمتع بأي حصانة مهما كان موقعه أو نفوذه.
الشرق الأوسط: “ليلة القبض على لصوص بغداد”
ربما كان العنوان الأكثر إثارة هو ما اختارته صحيفة “الشرق الأوسط” التي عنونت تغطيتها بـ”ليلة القبض على لصوص بغداد”.
ورسمت الصحيفة صورة تفصيلية للساعات الأولى من الحملة، متحدثة عن دبابات طوقت المنطقة الخضراء وقوات مشتركة داهمت عشرات المنازل والفلل بالتزامن مع تنفيذ أوامر قبض بحق مسؤولين ونواب ورجال أعمال.
وأكدت الصحيفة أن الحملة استندت إلى اعترافات عدنان الجميلي، وأنها قد تتوسع لتشمل عشرات الأسماء الأخرى خلال المراحل المقبلة.
كما أبرزت التفاعل الشعبي الواسع مع الاعتقالات، مشيرة إلى أن كثيرين اعتبروا ما جرى خطوة غير مسبوقة ضد شخصيات طالما وُصفت بأنها بعيدة عن المساءلة والمحاسبة.
من حدث محلي إلى قضية دولية
المتابعة الإعلامية العربية والدولية للحملة كشفت حجم الاهتمام الخارجي بما يجري داخل العراق، إذ لم تقدم الاعتقالات على أنها مجرد إجراءات أمنية أو قضائية اعتيادية، بل جرى التعامل معها بوصفها اختباراً حقيقياً لمستقبل الدولة العراقية وقدرتها على مواجهة منظومات الفساد المتجذرة.
وفي المحصلة، تبدو صولة الزيدي قد تجاوزت حدود التغطية المحلية لتتحول إلى قضية تتصدر الصحافة العربية والعالمية، وسط آمال كبيرة بأن تكون هذه الحملة ستقود إلى تغيير فعلي في معادلة الفساد التي حكمت المشهد العراقي طوال السنوات الماضية.



