
بغداد/ عراق أوبزيرفر
لا تزال ظاهرة العنف اللفظي في المدارس والبيوت حاضرة ومؤثرة في المجتمع العراقي، رغم التحذيرات المتكررة من آثارها النفسية والاجتماعية على الأطفال، فالصراخ والإهانات باتا يُستخدمان في كثير من الأحيان كأسلوب تربية أو انضباط، ما يحول البيئة الأسرية والتعليمية إلى مصدر للضغط والخوف بدلاً من الأمان والدعم.
ويشير أولياء أمور وناشطون في الشأن التربوي إلى أن عدداً من المعلمين في المدارس العراقية يمارسون أساليب عنفٍ لفظي تجاه الطلبة، من خلال استخدام عبارات جارحة أو التقليل من شأنهم أمام زملائهم.
وهذا السلوك، – بحسب مختصين – يترك آثاراً نفسية عميقة على الأطفال، ويفقدهم الثقة بأنفسهم، كما يعزز لديهم الشعور بالخوف والانعزال داخل البيئة التعليمية.
محمد، أب لطفلين أحدهما في الصف الثالث الابتدائي والآخر في الصف الأول، يروي بحزن ما يواجهه ولداه في المدرسة من عنفٍ لفظي يومي يمارسه بعض المعلمين.
وقال محمد لـ”عراق أوبزيرفر”، إن “ابنه الأكبر عاد أكثر من مرة إلى البيت باكياً بعد أن نعته معلمه أمام زملائه بكلمات قاسية لأنه أخطأ في الإجابة، فيما أصبح الصغير يخشى الذهاب إلى المدرسة بعد أن تعرّض للسخرية بسبب خطه الضعيف”.
وأضاف محمد أن “هذا الأسلوب جعل أطفاله يفقدون الحماس للتعلم ويشعرون بالخوف من المعلمين بدل احترامهم، مشيراً إلى أن محاولاته للتحدث مع إدارة المدرسة لم تسفر عن نتيجة تُذكر”.
وأكد أن “المشكلة لا تتعلق بأولاده فقط، بل تمتد إلى العديد من التلاميذ الذين يعانون بصمت من الإهانات اليومية”.
وطالب محمد وزارة التربية “بوضع ضوابط صارمة تمنع العنف اللفظي داخل المدارس، وتدريب الكوادر التعليمية على أساليب التواصل الإيجابي، لأن الطفل كما يقول يحتاج إلى كلمة تشجيع ترفع ثقته بنفسه، لا إلى إهانة تزرع بداخله الخوف والانكسار”.
أزمة أعمق
ويرى مختصون أن العنف اللفظي في المدارس العراقية أصبح انعكاساً لأزمة أعمق في منظومة التعليم والتربية، إذ يعاني كثير من المعلمين من ضغوط مهنية ونفسية تدفعهم لاستخدام أساليب غير تربوية في التعامل مع التلاميذ.
وأكدت الحقوقية أنوار الخفاجي أن “العنف اللفظي داخل البيوت والمدارس بات يشكّل ظاهرة مقلقة تهدد التوازن النفسي والاجتماعي للأطفال، مشيرةً إلى أن الصراخ والسبّ أصبحا في كثير من الأحيان أسلوباً يومياً للتعامل بدلاً من الحوار الهادئ والبنّاء”.
وقالت الخفاجي لـ”عراق أوبزيرفر”، إن “هذا النوع من العنف يترك آثاراً عميقة على شخصية الطفل، إذ يولّد لديه الخوف وانعدام الثقة بالنفس، وقد يدفعه إمّا إلى العدوانية المفرطة أو الانطواء والعزلة “مؤكدة أن “أخطر ما في الأمر هو أن الطفل يتعلم تكرار هذا السلوك في المستقبل، فيتعامل مع الآخرين بالطريقة ذاتها التي تعرّض لها”.
ودعت الخفاجي إلى” نشر ثقافة التواصل الإيجابي والتدريب على إدارة الغضب داخل الأسرة والمدرسة، مع ضرورة تعزيز احترام كرامة الطفل بوصفه محور العملية التربوية والتعليمية “مشددة على أن “الوقاية تبدأ من الوعي، وأن بناء بيئة داعمة خالية من الإهانة هو الطريق الأمثل لتنشئة جيلٍ سليم نفسيًا وسلوكيًا”.
ويُظهر تفشي العنف في المدارس أن المشكلة لم تعد مجرد تصرفات فردية، بل تعبّر عن خللٍ أعمق في البنية الاجتماعية والتربوية، في وقت يؤكد مختصون أن ضعف القيم الأسرية وتراجع كفاءة النظام التعليمي وغياب الدعم النفسي للطلبة، جميعها عوامل تسهم في ترسيخ هذا السلوك داخل البيئة الدراسية.



