
د. عبد الباسط تركي سعيد
محافظ البنك المركزي العراقي وكاله (17/10/2012- 9/9/2014)
بعد أن أنهت بعضُ وسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مناقشاتها بشأن موضوع رفع ثلاثة اصفار عن القيمة الاسمية للعملة الوطنية المتداولة بكل فئاتها، بدأت هذه الوسائل الآن بطرح موضوع تزوير العملة، والقول بوجود كميات كبيرة من العملات المزوّرة، تغزو السوق العراقية!
وربما من المفيد الآن، استذكار تفاصيل طبع العملة المتداولة، والايضاح بشأن توضيح حقيقة هذين الموضوعين في هذا المقال.
بعد الاحتلال في 2003، استمر البنك المركزي العراقي في طباعة العملة لغرض التداول واستبدال العملة القائمة لدى احدى كبريات الشركات المعروفة بهذا الاختصاص عالميا، وبعد فترة زمنية شهدت الاسواق المحلية تداولا لعملة انتهى عمرها الافتراضي تماما، ما يوجب سحبها من التداول، واحلال بديل عنها، ومفاتحة الشركة المعنية بتزويد البنك بشحنات جديدة، لتعويض ما يتم اتلافه. وهو اجراء روتيني كان سائداً في البنك، وكان من المفيد في ذات الوقت التفكير بتطوير المزايا الفنية والامنية للورقة النقدية العراقية، والتي كانت قد طبعت بظروف استثنائية.
معايير اختيار شركه الطباعة
وعلى اساس تجربه البنك والإحاطة بمشاكل طباعه العملة فقد وضعت قواعد اعتمدت لاختيار الشركات العالمية المعروفة في هذا المجال، والتي يفترض انها ستفاتح لطبع العملة. ومن هذه القواعد ان تكون الشركة مالكة لمعمل صناعة الورق المستخدم من قبلها في الطباعة، والذي يعتمد القطن اساساً لضمان مواصفات القبول والثبات للألوان، ودوام عمر الورقة في التداول، وان يتم طبع العملة في ذات البلد الذي يحال إليه العقد، وليس لفروع الشركة في بلدان اخرى، وان تكون من الشركات التي لديها اعمال مشابهة، وتقوم في ذات الوقت بتلبية عقود قيد التنفيذ.
وعلى أساس ذلك تمت مفاتحة اربع شركات توفرت فيها هذه الشروط بضمنها الشركة التي كانت معتمدة في طبع العملة، ولما تعذر على القسم القانوني تقديم اوليات العقد النافذ وقواعد التعاقد، حيث كان استمرار الطبع يتم من خلال طلب يوجهه البنك الى الشركة عند الحاجة، عليه فقد جرى الاعتماد على الخبرات الفنية في البنك واستكمال شروط عرض العمل على هذه الشركات، بالإضافة الى الاجراءات المنظمة في حال التعاقد، ومنها توقيتات الطبع والاسعار حسب الفئات النقدية وآليات السداد، اضافة الى قواعد التعاقد الحكومية النافذة الأخرى، ولان قدرة العملة على مواجهة التزوير يُعد امتيازاً، فقد جرى تحديد حد ادنى من المواصفات الامنية التي يجب توفرها عند تقديم العرض من أي شركة. وان اية شركة تلتزم بتقدم مواصفات أمنية أكثر من ذلك، تحوز نقاطا تنافسية أفضل. وبذلك أصبحت العملة المستهدفة من العملات التي يصعب تزويرها. وان ما يتم تداوله في بعض وسائل الاعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي بشأن التزوير، لا يستند الى اسس حقيقية. نعم، قد تطبع عملات مشابهة بقصد التزوير وان تستمر هذه المحاولات، ولكنا حرصنا على أن نجعل هذه العملة تحتوي على علامات امنية، بحيث تكون محاولة تزويرها بالغه الصعوبة من الناحية العملية سيما وان احد علاماتها الأمنية عند الاحالة كان امتياز حصري لشركه الطباعة لذا فإن اية عملة مزورة تطرح في الأسواق، ستغادر سريعا لسهولة ملاحظة الفوارق.
وتضمن عرض العمل أن تأخذ الشركة المتقدمة بنظر الاعتبار امكانية حذف الاصفار مستقبلا على ذات النموذج لتلازم ذلك مع تعديل قيم الفئات دون الحاجة الى كلف اضافية او توقيتات ومجالات للتفاوض والانجاز… ولان هذا الموضوع كان موضع تداول خلال فترة قريبة، وقد اصدر البنك المركزي بشأنه ما يراه مناسباً، نود الإشارة الى ان المواد 32 و33 من قانون البنك المركزي رقم 56 لسنه 2004 المعدل، قد حدد تنظيم اصدار وطبع العملة بالبنك المركزي فقط، وان كانت المادة 36 منه قد اوجبت على البنك عند استبدال التالف من العملة بان تكون بعملة متساوية (مساوية) لقيمتها، واذ يرى البعض ان موضوع رفع الاصفار يحتاج الى قانون، فان وجوب اصدار هكذا قانون كما نرى، كان يتطلبه الامر عندما كانت قيمة العملة تحدد بما يقابلها من ذهب، وبالتالي فان قيمتها في التعامل سواء المحلي او الخارجي، توجب انا ذاك الإعلان، كما يتوجب البت به على مستوى الدولة، اما وقد تحول سعر الصرف في العراق ـ كما هو في العالم ـ الى قرارات الجاهات المخولة قانونا، حيث اشارت المواد (3و4و16) من قانونه الى حصر هذه المهمة بالقرار الذي يتخذه البنك المركزي في ما يراه مناسباً للاقتصاد، والموقع من الدورة الاقتصادية وحركة الأسواق. فان رفع الاصفار بحاجة الى تنسيق أكبر مع السلطات التنفيذية منه الى اصدار تشريع، وفي الظرف الحالي للاقتصاد العراقي والظروف المحيطة بالبلاد فان من البديهي ان لا يبت في مثل هذا الموضوع؛ إذا ان الامر يحتاج إذا ما تقرر رفع الاصفار ـ كما هو الحال مع اية قرارات مؤثرة على الحركة الاقتصادية ـ الى مجموعة من الاجراءات التنفيذية الاستباقية لضمان التنفيذ الكفء الان.
تمت الاستعانة بأحد الفنانين التشكيليين العراقيين لتحسين ووضع مكونات العملة الصورية (المستهدفة) لا سيما المستحدثة منها ولذا فقد ذهب المصمم الى وضع ما يراه مناسباً ضمن عدة بدائل على عملة الـ 50,000 باعتبارها تمثل الثروة المائية في العراق والتي كان من ضمن العرض ان تكون اقل مساحة من عملة 25,000 وهكذا عندما نقرر اصدار عملة اكبر لتكون عملة 100,000 دينار اقل مساحة من عملة الخمسين الف دينار، وقد تم فعلا وضع نموذج لطبع عملة بفئة 100,000 دينار بهدف استكمال سلسله تراتبيه العملات والحد بشكل ما من حاجة طلب السوق على العملة الأجنبية لمرونة استخدامها(النقل والعد…) في ظرف كانت قيمه العملةتشهد استقرار ملحوظ، كان مقررا ان تتضمن في واجهتها الاولى صورة لزقورة أور لقدمها ودلالتها الفكرية آثاريا على مستوى الإنساني، وعلى الوجه الثاني صورة زيتية لأول بئر نفط في العراق، وهو بئر بابا كركر, وذلك للدور الرئيس الذي يشغله النفط وايراداته بالنسبة للاقتصاد العراقي ونمائه. وكان مقررا في ذات الوقت اصدار عملة بفئة 100 دينار لتحل محل عملة الـ 50 دينارا التي اصبحت غير متداولة في الأسواق، وللمحافظة على توسعة اكثر لأسعار التداول للسلع والخدمات بالنسبة لذوي الدخول الواطئة، ولكي لا تشكل الاسعار نقلة مضاعفة على دخولهم، اذا ما ارتفعت فوجود اصغر عملة بمبلغ 250 دينارا الان يعني ان اي زيادة في اسعار السلع والخدمات التي تستهلك من قبل هذه الشريحة سوف تكون بـ 500 دينار، ولكي تساهم هذه الفئة في مقاومة ارتفاع العبء على هذه الفئات بحجة عدم وجود فعلي لفئه عملة اقل (اصغر) الا ان كلتا العملتين لم تصدرا للأسف، وقد حرصنا على ان تكون عمتنا النخلة العراقية حاضرة في كل الفئات؛ إما على شكل صورة لشجرة النخيل او للنخلة السومرية، والتي اعتمدت في بعض الفئات كدلالات امنية بشكل يصعب تزويرها. كما واضيف لها لاحقا العلامات الخاصة بالمبصرين لكي يتمكنوا من تمييز الفئات التي يستخدمونها، والتي هي في ذات الوقت يمكن ان تكون مؤشرا لمدى كفاءة استمرار الورقة النقدية في التداول، واستبدالها من قبل البنك في حال فقدان هذهالعلامات
بعض المناورات اثناء الاختيار
اعتاد صندوق النقد الدولي على عقد اجتماعين سنويا لمحافظي البنوك المركزية او من يمثلهم في العاصمة واشنطن، احدهما في الربيع والاخر خريفي، واثناء تواجد وفد البنك المركزي العراقي في احد هذه الاجتماعات، ابلغ الوفد عن طريق موظف السفارة العراقية في واشنطن،المسؤول عن التنسيق مع الوفد، ان مستشار الامن القوميالامريكي في مكتب السيد جون بايدن نائب رئيس الجمهورية، يرغب في الاجتماع معنا، فطلبت ان يحضر الاجتماع كافة اعضاء الوفد، والذين كان من ضمنهم الدكتور فاضل جواد المستشار القانوني لرئيس الوزراء،وقد عقد الاجتماع بحضور عدد من المستشارين الامريكان ممن له علاقة بعملهم في العراق، وبعد ان اثنى الوفد الامريكي على ادارة البنك والاجراءات المتخذة فيه،ومناقشة بعض القضايا الفنية التي تهم البنك، سلمنا الجانب الامريكي مذكرة، وبيّن احد المستشارين ان مزية طباعة العملة الامريكية وخاصة فئة المئة دولار، تجعل شركة طباعة العملة لديهم متميزة، وهم يحرصون على ان يؤول عقد الطباعة عليهم.. هنا، ابلغتهم بان شركتهم هي من ضمن الشركات الاربع التي كان قد قرر البنك المركزي فعلا دعوتها للمنافسة، ولكن المشرف على محافظيه البنك المركزي في العراق الان هو في ذات الوقت رئيس لديوان الرقابة المالية في العراق، وان ما يمكن ضمانه هو حصولهم على فرص متساوية في المنافسة وفقا للشروط المقدمة من قبل البنك وقواعد التعاقد الحكومية، كما هو الحال للشركات الثلاث الاخرى فقط، وقد سبق ذلك ايضاً ان زارنا في بغداد وفد يمثل المملكة المتحدة، وبحضور سفيرها في العراق لأجل دعم فرصة الشركة البريطانية،التي كانت ضمن الشركات الاربع المرشحة أيضا، وكانت الاجابة واحدة في ذات الوقت. وبعد استكمال العروض طلبت من مدير القسم القانوني ان تقوم اللجنة المشرفة على دراستها بفتح العروض امام ممثلي شركات الأربع،وقد أبلغني ان الشركة التي حازت على العقود هي شركةألمانية، وهكذا تم التعاقد معها وباشرت طبع العملة النافذة حاليا، في تجربة ليس بصعبة على العراقيين ولكنها تجربة ناجحة تحسب لهم.



