ألواح فوق الماء.. هل تنقذ مشاريع الريّ المغلق العراق من العطش؟

بغداد/ عراق أوبزيرفر
يواجه العراق واحداً من أعقد تحدياته البيئية خلال العقود الأخيرة، مع تراجع الإطلاقات المائية وازدياد معدلات التبخر وتدهور كفاءة أنظمة الري التقليدية، فيما تقول وزارة البيئة إنها تمضي باتجاه اختبار حلول غير تقليدية لمواجهة أزمة الشحّ المائي، عبر مشاريع مدعومة دولياً تندرج ضمن مفهوم “الزراعة الذكية مناخياً”، في وقت.
وكشف المتحدث باسم الوزارة، لؤي المختار، عن توجه حكومي لاعتماد نظام “الري المغلق” بهدف تقليل الهدر المائي، في إطار مشروع ريادي ممول من صندوق المناخ الأخضر، تنفذه منظمات الأمم المتحدة ضمن حزمة مشاريع بيئية يجري تنفيذها في العراق بدعم دولي.
وبحسب المختار، فإن المشروع الذي أُقرّ منتصف العام الماضي، يستهدف ثلاث محافظات هي النجف وكربلاء والمثنى، ويقوم على تغليف القنوات الإروائية المبطنة بألواح طاقة شمسية، بهدف الحد من التبخر، إلى جانب توليد طاقة كهربائية تُستخدم في تشغيل المنظومات الزراعية، في تجربة تُعد الأولى من نوعها على هذا النطاق داخل البلاد.
ويوضح مختصون في الشأن البيئي أن هذه المشاريع تُصنّف ضمن المبادرات الريادية الصغيرة، إذ تركز على إدخال تقنيات حديثة وتطبيق ممارسات موفرة للمياه، مثل الري المغلق، وتظليل القنوات المفتوحة، وتحسين إدارة الأراضي الزراعية، بما يخفف من آثار الأزمة المائية على القرى والمجتمعات المحلية المستهدفة.
وتشير بيانات وزارة البيئة إلى أن نظام الري المغلق يمكن أن يوفر أكثر من 20% من كميات المياه المهدورة سنوياً، لاسيما في المناطق التي تعتمد على قنوات مكشوفة تتعرض لفقدان كبير بسبب التبخر، خصوصاً خلال مواسم الذروة الحرارية.
وبحسب التصريحات الرسمية، تبلغ كلفة مشروع “سرفالي” نحو 39 مليون دولار، ويُتوقع أن ينعكس أثره على نحو مليون و900 ألف شخص، يستفيد قرابة مليون منهم بشكل مباشر، عبر دعم المزارعين المتضررين من شحة المياه، وتوفير برامج تدريب، وتطوير تقنيات الزراعة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية.
غير أن مختصين يرون أن أثر هذه المشاريع، على أهميته، يبقى محصوراً ضمن المناطق المستهدفة، ولا يمكن اعتباره حلاً جذرياً لأزمة المياه على المستوى الوطني، في ظل حجم التحديات المرتبطة بالبنى التحتية المتهالكة، واتساع الرقعة الزراعية، واعتماد العراق على أنظمة ري تقليدية عالية الهدر
وفي هذا الإطار، قال المختص في الشأن البيئي مخلد عبدالله لـ”عراق أوبزرفر” إن “مشاريع الزراعة الذكية مناخياً، ومنها مشروع الري المغلق، تمثل خطوات مهمة لإدخال تقنيات حديثة تسهم في التخفيف من آثار الشح المائي، لكنها تبقى مشاريع محدودة الأثر إذا ما قورنت بحجم الأزمة المائية التي يواجهها العراق”.
وأضاف عبدالله أن “تحقيق أثر أساسي ومباشر في معالجة أزمة المياه يتطلب تدخلاً حكومياً واسعاً واستثمارات استراتيجية كبيرة، إذ تشير التقديرات إلى أن تطوير منظومات الري على مستوى البلاد يحتاج إلى إنفاق يتجاوز 40 مليار دولار، وهو رقم يفوق بكثير ما يُرصد حالياً لمثل هذه المشاريع الريادية”
وأشار إلى أن “أهمية هذه المبادرات تكمن في كونها نماذج تطبيقية ناجحة يمكن البناء عليها وتوسيعها لاحقاً، فضلاً عن دورها في نقل المعرفة، وتغيير أنماط السلوك الزراعي، وتعزيز وعي المجتمعات المحلية بأهمية ترشيد المياه”
ويؤكد مراقبون أن النجاح في استقطاب تمويلات من جهات مانحة دولية، يؤشر تحسناً في حضور الملف البيئي ضمن أولويات الدعم الدولي للعراق، ويضع الوزارة في موقع متقدم للحصول على فرص تمويل إضافية لمشاريع مستقبلية، في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بقضايا التغير المناخي والأمن المائي.
وبينما يراهن العراق على هذه المشاريع لتخفيف الضغط عن قطاع الزراعة، تبقى الأنظار متجهة إلى قدرة الدولة على تحويل هذه المبادرات المحدودة إلى سياسات شاملة، تقوم على تحديث أنظمة الري، وإعادة هيكلة إدارة الموارد المائية، بما يضمن استدامة الحلول وعدم بقائها رهينة التجارب المحلية المحدودة.




