
بغداد / عراق اوبزيرفر
في ظل سوق مضطرب تتقاذفه الشائعات وتغذيه المخاوف أكثر مما تحركه المعطيات الاقتصادية الحقيقية، برز تحذير لافت أطلقه الخبير الاقتصادي سيف الحلفي في تصريح خص به “عراق أوبزيرفر”، مسلطاً الضوء على موجة الذعر التي تجتاح الشارع العراقي، مؤكداً أن ما يحدث ليس نتيجة تغيرات فعلية في عناصر الاقتصاد، بل انعكاس مباشر لما سماه بـ “تضخم الخوف”.
الحلفي أوضح أن الضجيج الشعبي وتداول التخمينات حول احتمال بلوغ سعر الدولار 200 ألف دينار لكل 100 دولار رغم النفي الرسمي، بدأ يترك أثره الفوري على السوق. فأسعار السلع ترتفع بوتيرة ملحوظة، بينما يشهد سوق العقار ركوداً واضحاً، خصوصاً في العاصمة بغداد، وهو ما يعكس حالة انتظار متوجسة أكثر مما يعكس حركة تداول واقعية.
وأشار إلى أن “السياسة المالية لا تستجيب للتصريحات بقدر استجابتها للتوقعات والشائعات المدعومة”، وهو العامل الذي يغذي موجة الهلع الحالية ويمنحها زخماً غير مبرر اقتصادياً.
وبين الخبير أن المسألة ليست مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج أو النقل كما قد يفترض البعض، بل تعود إلى التخزين العشوائي، والاحتكار، والشراء العاطفي، ورفع الأسعار الوقائي من قبل التجار والمضاربين، وهي عناصر تخلق سوقاً متوترة تستبق ما لم يحدث بعد. وهو ما وصفه بوضوح باعتباره “تضخم الخوف” الذي يرفع الأسعار دون أسباب موضوعية.
وفي جانب موازٍ لا يقل حساسية، توقف الحلفي عند سيناريو دولي قد ينعكس بقوة على الاقتصاد العراقي، يتمثل في احتمال انخفاض أسعار النفط إذا ما نجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مبادرته لإنهاء الحرب الأوكرانية وعودة تدفق النفط الروسي إلى الأسواق العالمية. وقال إن ترامب يسعى إلى خفض أسعار النفط خدمةً للصناعة الأمريكية ولتقليل التضخم قبل انتخابات 2026، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستوى 50–60 دولاراً للبرميل. وهنا يحذر الخبير من خطورة اعتماد العراق على النفط بنسبة تفوق 90%، ما يجعله عرضة لهزات مالية واسعة قد تفضي إلى عجز مالي كبير، إيقاف مشاريع استثمارية، ضغط على الرواتب، وتقليص الإنفاق الحكومي.
وفي تحليل لارتفاع الدولار في السوق الموازي، يؤكد الحلفي أن السبب لا يقتصر على المخاوف النقدية، بل يرتبط أيضاً بقرب تطبيق نظام الاحتساب المسبق للرسوم الكمركية (الأسيكودا) ابتداءً من الأول من كانون الأول 2025، وهو ما سيمنع دخول البضائع أو تنفيذ الحوالات بدون تسديد مسبق. هذا التطور دفع المضاربين إلى الامتناع عن بيع الدولار وتخزين العملة الصعبة وخلق طلب وهمي يرفع الأسعار بشكل استباقي.
ويختم الحلفي تحذيره مشيراً إلى أن استمرار هذه الظروف، إضافة إلى ضعف القطاع الخاص وارتفاع النفقات التشغيلية وركود الإيرادات الضريبية، يجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضة للصدمات مستقبلاً، داعياً إلى تدخل نقدي ومالي واضح لتخفيف حالة الذعر في الأسواق.
هذه التحذيرات تأتي في وقت يتصاعد فيه الجدل حول احتمال لجوء الحكومة المقبلة إلى تعديل سعر الصرف الرسمي، وسط تقديرات خبراء تتحدث عن إمكانية رفع سعر المائة دولار إلى 180 أو حتى 200 ألف دينار لمعالجة الضغوط المالية المتنامية، رغم عدم صدور أي توجه رسمي بهذا الاتجاه.
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي، عادل الدلفي، انه “مع ارتفاع قيمة الدولار بهذا الشكل الذي يخمنه المختصون 200 الف دينار مقابل مائة دولار ، عندئذ سترتفع تكلفة الاستيراد بشدة. فالعراق يعتمد كثيرًا على الواردات للسلع الأساسية (بعض الأغذية، المواد الصناعية، التكنولوجيا … إلخ)، فارتفاع الدولار يجعل هذه البضائع أغلى جدًا”.
ويلفت في حديث لـ”عراق اوبزيرفر”، إلى أنه “بالتالي، أسعار المستهلك المحلي ستتزايد — والتضخم لن يضرب فقط الكماليات، بل قد يشمل حتى السلع الأساسية، وستكون هناك ضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين”.
ويتابع: “إذا ارتفع الدولار بهذا المستوى، الناس الذين يحصلون على دخل بالدينار سيجدون أن قوتهم الشرائية تنخفض كثيرًا، خاصة من يعتمد على الدخل الشهري للراتب ، وقد تضطر الكثير من الأسر إلى تقليص النفقات أو تأجيل شراء العقارات أو الكماليات وسيكون الركود الاقتصادي هو المهيمن على المشهد العام”.
ويكمل: “العقارات التي تعتمد إلى حد كبير على تمويل أو شراء مواد بناء مستوردة (الحديد، الأسمنت، الأجهزة الكهربائية …) سترى ارتفاعاً في تكاليفها. وبالتالي، الأسعار العقارية سترتفع — أو على الأقل كلفة البناء سترتفع ، كما ان بعض الأفراد قد يحاولون تحويل مدخراتهم من دينار إلى ما يراه ملاذًا آمنًا مثل الدولار (إذا كان متاحًا) أو الذهب، لمحاولة حماية القيمة”.
وأتم بالقول: “فإذا تحقق هذا السيناريو (الـ100 دولار بـ 200,000 دينار)، فسنشهد ضغوط تضخمية كبيرة، خاصة على السلع المستوردة، وقد ترتفع أسعار العقارات”.
وفي المقابل، حاول البنك المركزي العراقي أمس الاثنين تطويق القلق المتزايد بإصدار بيان يؤكد فيه استقرار سعر الصرف وعدم وجود أي نية لتعديل قيمة الدينار. وقال البنك إن نهاية 2025 تشهد تحقيق انخفاض تاريخي في معدلات التضخم على مستوى المنطقة، بفضل السياسات النقدية والإجراءات المدروسة رغم التحديات.
وذكر البنك بنصوص قانون البنك المرقم (56) لسنة 2004 الذي يمنحه صلاحية صياغة وتنفيذ السياسة النقدية وسعر الصرف، مؤكداً أن الحفاظ على استقرار الأسعار هدف محوري تم تحقيقه بنجاح، ومشدداً على متانة الاحتياطيات الأجنبية. كما أشار إلى استمرار تغطية طلبات المصارف للتحويل الخارجي بالدولار وبعملات أخرى، وإلى عدم وجود أي ضغط على الاحتياطيات الحالية، معتبراً أن أي تصريحات خارجية حول تغيير سعر الصرف لا تعبّر عن موقف البنك وتمثل اجتهادات تهدف لإرباك السوق.



