
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تتحرك الحكومة العراقية باتجاه تعزيز الخزين المائي والاستفادة من التحسن النسبي في الموارد خلال الموسم الحالي، في وقت تحاول فيه وزارة الموارد المائية إعادة تنظيم إدارة المياه وتوجيه الإطلاقات نحو البحيرات والمسطحات المائية التي تعرضت خلال السنوات الماضية إلى تراجع كبير في مناسيبها نتيجة شح الأمطار وانخفاض الإيرادات المائية.
وفي أحدث الإجراءات، أعلنت وزارة الموارد المائية زيادة الإطلاقات المائية الموجهة إلى بحيرة الحبانية بمعدل 40 متراً مكعباً في الثانية، تنفيذاً لتوجيهات وزير الموارد المائية مثنى التميمي، مبينة أن الخطوة تستهدف تعزيز خزين البحيرة وتعويض النقص الحاصل في مياهها، إلى جانب الحفاظ على التوازن البيئي والموروث الطبيعي وتحسين نوعية المياه، فضلاً عن دعم المجتمعات المحلية المحيطة بها.
ولا تنحصر أهمية هذه الخطوة في بحيرة واحدة، إذ تأتي ضمن ملف أوسع يرتبط بإعادة بناء الخزين المائي للعراق بعد سنوات متتالية من الجفاف وتراجع الإيرادات، مع سعي الجهات الحكومية إلى استثمار أي تحسن في الموارد لتعزيز قدرة البلاد على مواجهة مواسم الشح المقبلة، بدلاً من التعامل مع المياه باعتبارها مورداً للاستخدام الآني فقط.
ويواجه العراق منذ سنوات تحديات مائية متزايدة نتيجة تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتغير الأنماط المناخية، بالتزامن مع انخفاض الإيرادات القادمة من الأنهار المشتركة، الأمر الذي جعل إدارة الخزين المتاح وتوزيع المياه وفق الأولويات من أبرز الملفات التي تتطلب إجراءات مستمرة، خصوصاً مع ارتباط المياه بقطاعات الزراعة والشرب والبيئة والطاقة والسياحة.
وفي هذا السياق، قال الخبير في مجال المياه والزراعة تحسين الموسوي لـ”عراق أوبزيرفر” إن “زيادة الإطلاقات المائية باتجاه البحيرات تمثل خطوة إيجابية، لأن جزءاً من هذه المسطحات المائية تراجع دوره نتيجة الجفاف الذي استمر لعدة مواسم، وبالتالي فإن تعزيز الخزين يمكن أن يساعد في استعادة التوازن البيئي وتحسين نوعية المياه وإعادة تنشيط المناطق المحيطة بها”.
وأضاف الموسوي أن “الموسم الحالي يبدو أفضل من المواسم السابقة من ناحية الموارد المائية، لكن هذه الزيادة يجب أن تستثمر بصورة صحيحة، لأن تحسن موسم واحد لا يعني انتهاء أزمة المياه، وإنما يمنح العراق فرصة لتعزيز الخزين والاستعداد للمواسم المقبلة، خصوصاً أن البلاد تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة لكل قطرة مياه متاحة”.
وأشار إلى أن “المشكلة المائية في العراق لا ترتبط فقط بحجم الإطلاقات، وإنما أيضاً بطريقة استخدام المياه وإدارتها داخلياً، فهناك حاجة إلى التخطيط والوعي وتغيير أساليب الاستهلاك، إلى جانب تطوير تقنيات الري وتقليل الهدر والاستفادة من المياه بصورة أكثر كفاءة، لأن زيادة الموارد يجب أن ترافقها إدارة حديثة لها القدرة على التعامل مع سنوات الوفرة والشح معاً”.
وتشكل البحيرات والخزانات العراقية جزءاً مهماً من منظومة إدارة المياه، فهي لا تؤدي وظيفة الخزن فقط، وإنما ترتبط بالحفاظ على الأنظمة البيئية ودعم الزراعة وتوفير بيئات مناسبة للثروة السمكية وتنشيط السياحة الداخلية، كما تمثل بعض هذه المسطحات المائية مناطق مهمة للطيور والأحياء المائية، ما يجعل الحفاظ على مناسيبها جزءاً من حماية التنوع البيئي في البلاد.
وتبرز أهمية تعزيز الخزين أيضاً مع تزايد الطلب على المياه، إذ إن العراق يواجه نمواً سكانياً مستمراً واحتياجات متصاعدة للمدن والقطاع الزراعي، الأمر الذي يجعل إدارة الموارد المائية أكثر ارتباطاً بالتخطيط الاقتصادي والأمن الغذائي، وليس مجرد ملف خدمي أو بيئي.
وتتيح الإجراءات الحالية فرصة أمام الحكومة لإعادة تقييم واقع البحيرات والخزانات والمسطحات المائية وتحديد أولويات الإطلاقات وفق الحاجة، بما يضمن الحفاظ على المخزون الاستراتيجي وعدم استنزافه، إلى جانب توجيه المياه إلى المناطق التي تحتاجها بيئياً وزراعياً وسكانياً.
وبينما تمثل زيادة إطلاقات الحبانية مثالاً واضحاً على هذا التوجه، فإن نجاح السياسة المائية يبقى مرتبطاً بقدرة العراق على تحويل أي تحسن في الإيرادات إلى خزين مستدام، بالتوازي مع تطوير أساليب الري وتقليل الهدر وحماية مصادر المياه وتحسين إدارة البحيرات والخزانات.
ومن شأن استمرار هذه الإجراءات أن يمنح العراق مساحة أكبر للتعامل مع التحديات المائية، خصوصاً إذا ترافقت مع مشاريع لتحديث شبكات الري وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة وترشيد الاستهلاك، لتتحول إدارة المياه من الاستجابة لأزمات الجفاف إلى بناء منظومة قادرة على حماية الخزين والاستعداد للمواسم المقبلة.




