
بغداد/ عراق أوبزيرفر
لم يعد تعطّل الاستحقاقات الدستورية في العراق حدثاً استثنائياً يُقاس بجلستين مؤجلتين أو مهلة زمنية منتهية، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى نمط إدارة شبه دائم، تتجاوز فيه القوى السياسية النصوص الدستورية من دون كلفة سياسية أو مساءلة واضحة. فمع كل دورة برلمانية، يتكرر مشهد الإخفاق في حسم المناصب العليا، فيما تتراكم الأزمات وتبقى الدولة معلّقة بين النص والممارسة
ومساء الخميس الماضي، دخل العراق عملياً في مأزق فراغ دستوري جديد بعد إخفاق مجلس النواب للمرة الثانية في عقد جلسة مكتملة النصاب لانتخاب رئيس الجمهورية، من دون تحديد موعد حاسم بديل.
والمشهد لم يكن مفاجئاً للمتابعين، إذ باتت الخلافات، ولا سيما بين الحزبين الكرديين الرئيسيين حول مرشح المنصب، سبباً متكرراً لتعطيل هذا الاستحقاق، في وقت ينص فيه الدستور بوضوح على انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً من انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان.
جدل قديم
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة جدلاً قديماً بشأن تفسير المدد الدستورية، بعدما حاولت بعض الأطراف السياسية احتساب المهلة بأيام الدوام الرسمي دون العطل، وهو تفسير لا يستند إلى نص صريح في الدستور أو النظام الداخلي لمجلس النواب.
ومع غياب قرار حاسم من المحكمة الاتحادية يضع حداً لهذا الجدل، تتكرر السابقة نفسها في كل دورة سياسية تقريباً
لكن أزمة انتخاب رئيس الجمهورية لا تبدو سوى عنوان ظاهر لمأزق أعمق.
فالتعثر يمتد إلى ملف رئاسة الوزراء، وسط انقسامات داخل القوى الشيعية بشأن المرشح المقبل، وتصاعد الحديث عن ضغوط خارجية وتوازنات إقليمية تؤثر في مسار الحسم. وهنا تتداخل الحسابات المحلية مع رهانات أوسع، ما يجعل تشكيل الحكومة عملية تفاوض معقدة تتجاوز حدود البرلمان
في هذا السياق، يرى مراقبون أن ما يجري يعكس “تطبيعاً” تدريجياً مع الشلل، حيث لم تعد المدد الدستورية تُعامل كحدود ملزمة، بل كمواعيد قابلة للتأجيل وفق مقتضيات التوافقات السياسية.
وهذا النمط، بحسب قراءات سياسية، أفرغ النصوص من مضمونها الضابط، ورسّخ منطق إدارة الدولة بالأمر الواقع، بما يسمح بإطالة أمد الفراغ من دون تحمّل تبعات مباشرة.
مشهد طبيعي
بدوره أكد الباحث في الشأن السياسي حيدر الجوراني أن “المأزق الحالي لا يمكن عزله عن طبيعة التجربة السياسية منذ عام 2003، إذ أخفقت النخبة في بناء قرار سياسي مستقل، وبقيت لفترات طويلة أسيرة سياسات المحاور الإقليمية والدولية”.
وأوضح الجوراني في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الخلل لا يرتبط فقط بالخلافات حول الأسماء أو المناصب، بل بإخفاق أعمق في إعادة إنتاج المفاهيم السياسية، من الديمقراطية إلى التوافق، والتي جرى التعامل معها بوصفها أدوات محاصصة لا آليات حكم رشيد”.
وأشار إلى أن “ما يسمى بالتوافق السياسي تحوّل عملياً إلى توافق طائفي وتقاسم للمصالح، ما أضعف دور المعارضة البرلمانية وأفقد المؤسسة التشريعية قدرتها على الرقابة الفاعلة، وهو ما ينعكس اليوم على شكل شلل متكرر عند كل استحقاق دستوري”.
وبيّن أن “الأحزاب نفسها لم تمارس المأسسة الديمقراطية داخل تنظيماتها، إذ بقي القرار محصوراً في دوائر ضيقة، ما جعل صناعة القرار السياسي عرضة للجمود عند أول خلاف، وأبقى عملية التصحيح مؤجلة خشية فقدان النفوذ أو السلطة”.
غياب آلية ردع
وتتقاطع هذه الرؤية مع معطيات المشهد الحالي، حيث تبدو النخبة السياسية أمام منعطف حرج مع دخول النظام السياسي عقده الثالث، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات.
وفي ظل غياب آلية ردع واضحة، سواء عبر القضاء الدستوري أو عبر توافق سياسي جاد يضع سقفاً زمنياً حاسماً للحسم، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت القوى السياسية ستتعامل مع الفراغ الحالي كإنذار يستدعي المراجعة، أم كحلقة جديدة في مسلسل اعتادت إدارته كلما تعثرت التسويات.



