
بغداد/ عراق أوبزيرفر
مع بدء واشنطن خطوات فعلية لسحب المئات من جنودها العاملين في العراق، يعود إلى الواجهة الجدل الداخلي بشأن مستقبل السلاح خارج إطار الدولة، ولا سيما ما يتعلق بالفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.
وفي وقت تتحدث فيه الولايات المتحدة عن تحول مهمتها العسكرية إلى شراكة أمنية تقليدية مع العراق، تؤكد فصائل بارزة أنها لن تسلّم سلاحها “حتى بعد الانسحاب الأميركي”، ما يثير تساؤلات جدية عن إمكانية حصر السلاح بيد الدولة في المرحلة المقبلة.
وكانت بغداد وواشنطن قد توصلتا، في أيلول/سبتمبر الماضي، إلى اتفاق ينص على إنهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” في العراق بحلول نهاية أيلول/سبتمبر 2025.
ووفقاً لمصادر عراقية، فإن الانسحاب سيبدأ فعلياً في الشهر المقبل، ويتضمن مغادرة القوات الأميركية من قاعدة “عين الأسد” في الأنبار، ومطار بغداد، وقيادة العمليات المشتركة، مع انتقال بعض الوحدات إلى أربيل، فيما سيبقى عدد من المدربين العسكريين في البلاد.
وتزامن الإعلان الأميركي مع تقارير إعلامية كشفت عن إخطار واشنطن الحكومة العراقية ببدء سحب مئات الجنود من قاعدة عين الأسد، وهي أكبر القواعد الأميركية في العراق وتعرضت خلال السنوات الماضية لهجمات صاروخية متكررة، خصوصاً بعد اندلاع حرب غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ويبلغ عدد القوات الأميركية في العراق حالياً نحو 2500 جندي، إضافة إلى 900 آخرين في سوريا، ضمن التحالف الذي تشكّل عام 2014 لمحاربة تنظيم “داعش”.
موقف الفصائل المسلحة
وفي هذا السياق، أعلنت حركة “النجباء”، وهي من أبرز الجماعات المسلحة أنها لن تتخلى عن سلاحها حتى بعد الانسحاب الأميركي. وقال القيادي البارز في الحركة مهدي الكعبي إن “سلاح المقاومة لن يُسلّم لا في لبنان ولا في العراق”، مضيفاً أن “الفصائل العراقية ستبقى مسلحة حتى بانسحاب الأميركيين”.
وبرّر الكعبي موقف حركته بوجود “مخططات تستهدف العراق في أي لحظة”، معتبراً أن “الفصائل العراقية قد تكون الهدف التالي بعد حزب الله اللبناني”، في إشارة إلى قرار الحكومة اللبنانية الأخير بحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإعداد خطة لتنفيذه قبل نهاية العام. وأوضح أن “المخاوف بعد انسحاب التحالف الدولي مشروعة”، مؤكداً أن “أميركا تخشى من الحشد والفصائل، ونحن نعلم ماذا سيحدث بالنهاية”.
تعقيدات الملف بعد الانسحاب
ويرى مراقبون أن إصرار الفصائل على الاحتفاظ بسلاحها يعقّد مهمة الحكومة العراقية في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي، فبينما تروج واشنطن لانسحاب تدريجي منظم يهدف إلى تعزيز الشراكة الأمنية الثنائية مع بغداد، تنظر الفصائل إلى الخطوة على أنها انتصار سياسي وعسكري يعزز شرعيتها، ويجعل من مطلب نزع سلاحها أمراً شبه مستحيل.
وتشير تقديرات أمنية إلى أن الانسحاب الأميركي قد يشجع هذه الفصائل على التمسك أكثر بسلاحها، بذريعة ملء الفراغ الأمني المحتمل، لا سيما في المناطق الحدودية مع سوريا والأردن والسعودية.
المحلل السياسي الدكتور فراس إلياس أكد في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن الحديث عن نزع سلاح الفصائل بعد الانسحاب الأميركي “يبدو صعباً للغاية”، موضحاً أن “الولايات المتحدة تراهن على ربط انسحابها بملف الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، عبر ممارسة ضغوط على الحكومة العراقية لإيجاد آلية تحد من نفوذها، لكن هذا الرهان يواجه تحديات كبيرة”.
وأضاف إلياس أن “السيناريو اللبناني الخاص بحزب الله غير قابل للتطبيق في العراق، لأن الفصائل العراقية ليست تنظيماً واحداً بهيكلية واضحة، وإنما مجموعات متعددة الولاءات والمرجعيات، بعضها يتبع مرجعية النجف، وأخرى مرجعيات سياسية ودينية مختلفة، ما يجعل من مسألة نزع السلاح أو إعادة هيكلته أمراً أكثر تعقيداً”.
وأشار إلى أن “إيران تحاول استثمار مرحلة الانسحاب الأميركي لتعزيز نفوذها الأمني والسياسي في العراق، سواء عبر الاتفاقيات الأمنية أو عبر دعم الفصائل، وهو ما يقلق واشنطن التي ترى أن تقليص حضورها العسكري يفتح الباب أمام تمدد طهران”.
وختم إلياس بالقول إن “الحكومة العراقية قد تدخل في حوارات مع الفصائل ومع الأطراف الدولية لتقليل الضغوط والحفاظ على الاستقرار الداخلي، لكن حتى الآن لا يوجد برنامج حكومي واضح لحصر السلاح بيد الدولة، وبالتالي فإن إمكانية نزع السلاح بعد الانسحاب الأميركي ستظل رهناً بتفاهمات داخلية معقدة وتوازنات إقليمية ودولية شديدة الحساسية”.




