العراقالمحررامنتحليلاتخاصرئيسية

بين صمت الفصائل وصوت الحكومة.. كيف تحوّلت معادلة الردع في العراق؟

بغداد / عراق اوبزيرفر

لم تعد التحولات في مواقف الفصائل العراقية مفاجِئة للمتابعين، فمنذ أن توقفت الهجمات على الكيان الإسرائيلي وهدأت الضربات على القوات الأميركية، يقرأ هذا السلوك بوجهين متناقضين: الأول يراه انعكاسًا لخشية من الاستهداف المباشر وما قد يجرّه من ضغوط دولية، والثاني يصفه بأنه تجسيد لشعور بالمسؤولية وحرص على حماية العراق من مخاطر الانزلاق إلى مواجهات أوسع.

وبين هذين الرأيين، برزت في الأشهر الأخيرة مؤشرات أكثر وضوحًا على أن قرار التهدئة لم يعد قرارًا داخليًا خاصًا بالفصائل فقط، بل دخلت الحكومة العراقية على الخط بشكل مباشر، لتحتكر خطاب الرد وتُظهر نفسها بوصفها الجهة الوحيدة المخولة بالتعامل مع التهديدات الخارجية والضغوط الدولية.

مكسب للحكومة وصورة للفصائل

الخبير السياسي مجاشع التميمي يقول في حديث لـ”عراق أوبزيرفر” إن التحول الأخير يمكن النظر إليه من زاويتين: الأولى أن الفصائل، بعد الضغوط الداخلية والخارجية، اختارت خفض التصعيد لأنها باتت تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة أو “إسرائيل” ستجرّ البلاد إلى عقوبات وضغط دولي يصعب تحمّله.

الثانية، وفق التميمي، أن الحكومة العراقية سعت بقوة لاحتكار قرار الرد العسكري والدبلوماسي، وهو ما يمنحها رصيدًا على صعيد تعزيز السيادة وإظهار القدرة على ضبط السلاح.

ويرى الخبير السياسي، أن هذا التحول هو مكسب للحكومة التي خرجت بصورة أقوى أمام المجتمع الدولي، لكنه أيضًا انعكاس لتفاهمات ضمنية مع الفصائل التي فضّلت التهدئة حفاظًا على مصالحها الاستراتيجية.

اختبار جديد

الجديد في المشهد لم يكن صمت الفصائل وحده، بل الموقف الأميركي الأخير الذي أدرج أربع فصائل عراقية على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية التابعة لوزارة الخارجية الأميركية. هذه القائمة أوسع وأشد وطأة من عقوبات وزارة الخزانة التي كانت قد فُرضت سابقًا.

اللافت أن الفصائل لم تعلن موقفًا رسميًا رافضًا أو متحديًا، باستثناء حركة النجباء التي لا تمتلك امتدادًا سياسيًا داخل الدولة. أما بقية الفصائل، فقد فضّلت الصمت، تاركة الساحة للحكومة كي تعبر عن انزعاجها. فالحكومة العراقية أبدت امتعاضًا غير مباشر، عن القرار.

تهديدات نتنياهو وصدى الغياب

لم يتوقف التصعيد عند واشنطن، فخلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أطلق رئيس وزراء الاحتلال “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو تهديدات مباشرة ضد الفصائل العراقية، متوعدًا بـ”القضاء على قادتها” إذا حاولوا استهداف “إسرائيل”.

ومثلما حدث مع العقوبات الأميركية، كان الرد الفصائلي محدودًا جدًا، إذ اكتفت حركة النجباء بالرد العلني، بينما التزمت بقية الفصائل الصمت، تاركة المجال للحكومة كي تكون في الواجهة. هذا التباين يعكس تحوّلًا جوهريًا في آليات الرد.

دلالات التحول: ضبط إيقاع المشهد الأمني

يقرأ كثير من المراقبين هذا التحول على أنه محاولة من الحكومة لفرض هيبتها، خاصة في ظل ظروف إقليمية معقدة وحساسية العلاقة مع الولايات المتحدة.

قد يكون هذا الصمت رسالة موجهة للعالم بأن العراق يسعى لتجنب التصعيد، لكنه أيضًا يحمل دلالات على تغير في التوازنات الداخلية؛ إذ يبدو أن الحكومة باتت أكثر جرأة في الظهور كواجهة دفاعية عن العراق، بينما تراجع صوت الفصائل إلى الخلفية، حفاظًا على مكاسبها الاستراتيجية وتفاديًا لمخاطر لا يمكن التحكم بنتائجها.

التحولات الأخيرة لا تعني أن الفصائل العراقية تخلّت عن خطابها أو أدواتها بشكل نهائي، لكنها تشير إلى أن قواعد اللعبة تغيّرت. الحكومة تريد أن تظهر كصاحبة القرار الوحيد، والفصائل بدورها وجدت في هذا الترتيب فرصة لتجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن وتل أبيب.

وبينما قد يُنظر إلى هذا المشهد على أنه خطوة نحو تعزيز سيادة الدولة وضبط السلاح، يراه آخرون مجرد تكتيك ظرفي فرضته العقوبات والضغوط، وربما ينقلب إذا تغيرت المعادلات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });