
بغداد / عراق اوبزيرفر
شهدت العاصمة الصينية بكين صباح الأربعاء واحداً من أضخم العروض العسكرية في تاريخها الحديث، حيث احتفلت الصين بمرور ثمانين عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية، في استعراض للقوة حمل أبعاداً عسكرية وسياسية ودبلوماسية، واعتبره مراقبون حدثاً مفصلياً في رسم ملامح “المحور الشرقي” الصاعد في مواجهة الغرب.
لكن بينما التقطت عدسات الكاميرات مشهداً غير مسبوق جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الصيني شي جينبينغ في منصة واحدة، بدا لافتاً غياب العراق عن قائمة الدول المدعوة أو المشاركة، على الرغم من حضوره المتداخل والمتناقض في معادلات الشرق الأوسط الجيوسياسية.
هذا الغياب أثار أسئلة عميقة حول موقع العراق في لعبة المحاور الكبرى: هل هو محسوب على الشرق؟ أم على الغرب؟ أم أنه عالق في “منطقة رمادية” تجعل صورته مشوشة أمام العالم؟
مشهد القوة الصينية
انطلق العرض في ميدان “تيان آن من” وسط بكين في أجواء احتفالية رسمية تخللتها عروض ضخمة من الدبابات والصواريخ الباليستية والطائرات المقاتلة، بمشاركة 20 دولة أجنبية أبرزها إيران التي مثلها الرئيس مسعود بزشكيان.
الرئيس الصيني شي جينبينغ، في كلمته الافتتاحية، شدد على أنّ بلاده “لا يمكن إيقافها”.
وقال شي في خطاب بثّه التلفزيون الرسمي الصيني، إنّ “نهضة الأمة الصينية لا يمكن إيقافها والقضية النبيلة المتمثلة بالسلام والتنمية للإنسانية ستنتصر حتماً”، مشيراً إلى أن “الإنسانية تواجه اليوم، مرة أخرى خياراً بين السلام أو الحرب، والحوار أو المواجهة”.
ودعا الرئيس الصيني دول العالم إلى “القضاء على السبب الجذري للحرب ومنع تكرار المآسي التاريخية”، مشدداً على أنه “لا يمكن ضمان الأمن المشترك إلا عندما تتعامل دول العالم مع بعضها البعض على قدم المساواة، وتعيش في وئام، وتدعم بعضها البعض”.
المحور الشرقي يتبلور علناً
الحفل، الذي أقيم اليوم، جمع في منصته أكثر من 25 رئيس دولة ومسؤولاً رفيعاً من آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. وكان لافتاً ظهور ما وُصف بـ”ثلاثي أقطاب الشرق” للمرة الأولى معاً: بوتين، كيم، وشي، في صورة رمزية تعكس حجم التنسيق الاستراتيجي المتنامي بينهم.
إلى جانب هؤلاء، حضرت شخصيات أخرى مثل ملك كمبوديا، ورؤساء فيتنام ولاوس وإندونيسيا ومنغوليا وكازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان، فضلاً عن قادة من أفريقيا وأوروبا الشرقية مثل رئيسي بيلاروسيا وصربيا، ورئيس كوبا، إضافة إلى رئيس جمهورية الكونغو ورئيس زيمبابوي.
هذا التنوع في الحضور عُد بمثابة رسالة واضحة بأن الصين لا تقدم نفسها كقوة إقليمية فحسب، بل كقطب عالمي يسعى لتجميع دول من قارات عدة تحت راية مواجهة الغرب.
غياب العراق يثير علامات الاستفهام
على النقيض، جاء غياب العراق عن قائمة المدعوين محيراً. فالعراق، الذي طالما وُصف بأنه “ساحة توازن” بين واشنطن وطهران، لم يجد مكاناً في منصة الشرق، ولا يبدو كذلك مندمجاً تماماً في معسكر الغرب. هذا الاستبعاد فسّره بعض المراقبين بأنه يعكس صورة العراق “غير المحسوم” في السياسة الدولية، حيث تتجاذبه القوى الإقليمية والدولية من دون أن ينجح في ترسيخ موقع ثابت.
في هذا الصدد، يقول الباحث الأمني وائل الركابي، إن “في مثل هكذا استعراضات وهكذا برامج لأي حكومة في العالم لديها بروتوكولات معينة في توجيه الدعوات”.
ويضيف الركابي في حديث خص به “عراق اوبزيرفر”، “السؤال المهم: هل وجهت الصين دعوة الى الحكومة العراقية ولم نشارك في هذا العراق؟”، مردفاً: “الدعوات قد تكون اعتمدت على الدول التي لها التأثير الكبير على المستوى الصناعي العسكري”.
ويتابع، “العراق يحاول أن يتلافى الاستفزازات السياسية، ولو كان حاضراً لاستفز الجانب الأمريكي”.
وبحسب الركابي، فإن “العراق محسوب على نفسه فقط حالياً ولا ينتمي لأي محور لا شرقي ولا غربي”، لكنه يرى في الوقت نفسه أن “عدم الاستقرار على محور معين قد يكون خاطئاً، إذ يجب ان يكون العراق ضمن محور معين ويلتقي معه ويحدد سياساته حتى نعرف نحن مع من؟ ندافع عن من؟ ندعم من؟ يدعمنا من؟”.
*جدل الحرب والسلم
أبعاد الحدث تجاوزت حدود الاستعراض العسكري، إذ تزامن مع تصريحات لافتة للرئيس الصيني شي جينبينغ حين قال إن “العالم اليوم أمام خيار الحرب أو السلام”. هذه العبارة التقطها المراقبون باعتبارها تحذيراً من مواجهة كبرى قد تنفجر بين الشرق والغرب.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتأخر في التعليق، إذ كتب على منصة “تروث سوشيال”: “تحياتي لبوتين وزعيم كوريا الشمالية وهما يتآمران على الولايات المتحدة”، ما أضفى طابعاً صدامياً على المشهد.
هذه التصريحات، إلى جانب ظهور التحالف الثلاثي في بكين، دفعت محللين إلى التساؤل: أين سيكون موقع العراق إذا اندلعت مواجهة كبرى؟ هل سيكون مع واشنطن التي تحتفظ بقواعدها العسكرية ومستشاريها في الأراضي العراقية؟ أم مع طهران التي تتمدد عسكرياً وسياسياً داخل العراق؟ أم أنه سيظل متأرجحاً في الوسط، ما يجعله عرضة لأكبر المخاطر؟




