
بغداد | عراق أوبزيرفر
في مشهد صادم داخل العاصمة بغداد، تحولت دائرة الزراعة في منطقة الدورة إلى ساحة مواجهة مسلحة بين جهات ترتدي الزي الرسمي وأخرى تنتمي إلى تشكيلات في الحشد الشعبي، في حادثة سلطت الضوء مجددًا على حساسية العلاقة بين القوى الأمنية العراقية، وعلى حجم التداخل بين مؤسسات الدولة الرسمية وبعض الفصائل المنضوية ضمن أطر شرعية، لكنها لا تزال تثير جدلًا بشأن طبيعة ارتباطها وولائها الإداري.
وقد بدأت شرارة الاشتباك – بحسب مصادر أمنية – عندما حاول مدير جديد لدائرة زراعة بغداد استلام مهامه رسميًا، وفق أمر صادر من الجهة المختصة، فيما رفض المدير السابق، الذي يحظى بدعم من إحدى الجهات الفصائلية، مغادرة المنصب، مستعينًا بمجموعة مسلحة تدخلت لمنع عملية الاستلام.
وسرعان ما تحوّل النزاع الإداري إلى مواجهة بالسلاح، أسفرت عن سقوط ضحايا وإصابات، وإرباك للمشهد الأمني في محيط الدائرة.
وما أعاد الحادثة إلى واجهة الجدل السياسي هو طبيعتها الرمزية، إذ لم تقع على أطراف العاصمة أو في مناطق ساخنة، بل في قلب بغداد وفي مؤسسة مدنية لا ترتبط بأي ملف أمني أو عسكري، كما أن توقيتها جاء في لحظة تحاول فيها الحكومة العراقية تعزيز سلطة الدولة وترميم صورة مؤسساتها أمام الداخل والخارج.
ورغم تأكيد وزارة الداخلية اعتقال 14 شخصًا من المتورطين، وتشكيل لجنة تحقيق، فإن أبعاد الحادثة بدت أوسع من مجرد خلاف وظيفي.
بدوره، قال الباحث في الشأن الأمني عبدالغني الغضبان، إن “تعدد الرايات داخل الجغرافية العراقية يعني غياب الأمن والاستقرار، بل وغياب الاستقرار السياسي أيضاً واليوم، نحن نعيش حالة من الشد والجذب بين الفصائل المسلحة من جهة، وبين الحشد الشعبي، والجيش العراقي، ووزارة الداخلية من جهة أخرى، وهذا التداخل يؤدي بالضرورة إلى تضارب في القرارات الأمنية”.
وأضاف لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الحادثة التي شهدتها دائرة زراعة بغداد تعكس تدخل الحشد الشعبي بشكل مباشر، خاصة أنه كان يتبنى المدير السابق، وهذا مؤشر على وجود ملامح واضحة لما يُعرف بالدولة العميقة، إذ بات الحشد يمتلك نفوذاً واسعاً داخل العديد من الوزارات ومؤسسات الدولة”.
وتابع الغضبان أن “المشكلة تتعمّق أكثر مع وجود فصائل مسلحة لا تخضع فعلياً لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وعندما تقع مواجهة بين الحشد الشعبي، وهو مؤسسة رسمية تتبع القائد العام، وبين وحدات من الجيش العراقي تخضع أيضاً لنفس القائد، فمعنى ذلك أننا دخلنا في دائرة الخطر، لأن الصدام هنا بات بين قوى رسمية تمثل الدولة نفسها، وهذا تطور بالغ الخطورة”.
وفي التحليل الأوسع، لا تبدو هذه الحادثة معزولة عن سياق سياسي وأمني أوسع، حيث يتكرّر الحديث عن طبيعة علاقة الحشد الشعبي بالمؤسسات الرسمية، ودوره داخل مؤسسات الدولة، ففي الوقت الذي تُعلن فيه الحكومة مرارًا أن الحشد قوة رسمية تابعة للقائد العام للقوات المسلحة، إلا أن مشاهد ميدانية – كما حدث في السيدية – تُظهر تصرفات لا تمر عبر القنوات التقليدية للتكليف أو التنفيذ، وهو ما يعقّد مهمة الحكومة في ضبط المشهد.
ويشير مراقبون إلى أن ما حدث لا يرتبط فقط بمدير دائرة أو اسم جهة، بل بمنظومة قائمة على تقاطعات النفوذ، خصوصًا في بغداد حيث تتقاطع خيوط الدولة مع مصالح سياسية وأمنية لم تُحسم بعد، وفي حالات مشابهة، لم تكن معالجة الأحداث إلا بعد وقوعها، وهو ما يُضعف أدوات الردع المسبق، ويؤدي إلى تصاعد حالات مشابهة في مؤسسات أخرى.



