“رحلة مشبوهة” من غزة تُشعل جدلاً دولياً

جوهانسبرغ/ عراق اوبزيرفر
أثار احتجاز عشرات الفلسطينيين الذين وصلوا من قطاع غزة إلى مطار “أو آر تامبو” في جوهانسبرغ (عاصمة جنوب أفريقيا) عاصفة من الجدل، بعدما حاولت وسائل إعلام إسرائيلية تصوير الواقعة على أنها دليل على «نفاق» جنوب أفريقيا التي تقود حملة دولية لملاحقة إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية.
لكن تحقيقات سلطات الحدود كشفت جانباً أكثر خطورة: الرحلة نُظمت عبر مؤسسة غير مسجلة يُشتبه في تورطها بعمليات تهجير غير معلنة بالتعاون مع اسرائيل.
كيف بدأت الأزمة؟
وصل 160 فلسطينياً من غزة، الخميس، عبر رحلة غير معتادة نظمتها جهة تُدعى «المجد أوروبا»، ليتبين لاحقاً أنها مؤسسة غير مسجلة جمعت مبالغ بين 1500 و5000 دولار من كل مسافر.
وعند هبوط الطائرة في جوهانسبرغ، رفضت السلطات السماح للركاب بالنزول بسبب غياب أختام الخروج على جوازات السفر، وعدم تقديمهم طلبات لجوء مسبقة.
ظلّ الفلسطينيون — وبينهم أطفال ونساء حوامل — عالقين أكثر من 9 ساعات داخل الطائرة، في مشهد وصفه الناشط نايجل برانكن بأنه «مأساوي».
رحلة معقدة ومجهولة الوجهة
المسافرون سجّلوا عبر منصة إلكترونية للمؤسسة المشبوهة، وتلقوا إخطار المغادرة قبل ساعات فقط، وطُلب منهم حمل حقائب ظهر صغيرة، لكن حتّى هذه صودرت منهم عند معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه اسرائيل.
نُقلوا بحافلات إسرائيلية إلى مطار رامون، وصعدوا طائرة غير معلمة دون معرفة وجهتها، ودون أي ختم خروج رسمي.
هبطت الطائرة أولاً في نيروبي، قبل أن يُنقلوا إلى طائرة مستأجرة أخرى نحو جوهانسبرغ.
كيف انتهت الأزمة؟
مع تصاعد الضغط الشعبي وارتفاع المخاوف على الوضع الإنساني، تدخّلت الرئاسة الجنوب أفريقية بشكل مباشر:
137 راكباً حصلوا على إعفاء إنساني ودخلوا البلاد، فيما غادر 23 آخرون إلى وجهاتهم النهائية قبل صدور القرار.
وقالت ممي موغوتسي، مسؤولة الاتصالات في سلطة إدارة الحدود، إن المنع الأوّلي كان لإجراء التحقق، ثم مُنح الاستثناء الرئاسي بعد التأكد من الملابسات.
ليست المرة الأولى
هذه الرحلة هي الثانية خلال أقل من شهر. ففي 28 تشرين الأول، وصلت إلى جوهانسبرغ رحلة أولى تقل 176 فلسطينياً، وجرى استقبالهم برسائل «واتساب» تخبرهم بكيفية استخدام «أوبر» على نفقتهم الخاصة، مع توفير إقامة لمدة أسبوع فقط، قبل أن تختفي الجهة المنظمة وتتركهم في حالة ضياع.
كيف استغلت وسائل الإعلام الإسرائيلية الموقف؟
الإعلام الإسرائيلي سارع إلى توظيف الحدث سياسياً، متهماً جنوب أفريقيا بـ«ازدواجية المعايير».
صحيفة هآرتس نشرت عنواناً: «السلطات ترفض السماح للفلسطينيين بالنزول من الطائرة»، بينما علّق بعض القراء بسخرية: «هذه هي جنوب أفريقيا التي ضدنا ومع الغزيين؟ العالم يرى النفاق».
لكن السلطات الجنوب أفريقية أكدت أن التأخير كان إجراءً احترازياً مؤقتاً، وأن المعاملة اتسمت باعتبارات إنسانية كاملة بعد التأكد من طبيعة الرحلة ومخاطرها.
خلاصة المشهد
الأزمة لم تكن بسبب موقف سياسي لجنوب أفريقيا، بل بسبب رحلة غامضة تحمل شبهة تهجير غير منظم، نظمتها جهة غير شرعية، ولم يعرف المسافرون وجهتها إلا بعد الوصول.
أما إسرائيل، فقد حاولت — كما تقول السلطات الجنوب أفريقية — استثمار اللحظة لصناعة رواية إعلامية مضللة تخدم معركتها الدعائية أمام القضاء الدولي.



