
بغداد / عراق اوبزيرفر
في المشهد السياسي العراقي الذي ما يزال يتشكل بعد انتخابات 2025، برز سؤال يتصدر النقاشات داخل الأوساط السنية: هل تمكن محمد الحلبوسي، بكتلته وحزبه وأرقامه، من الاستفراد بالفعل بالشارع السني وقيادة مركز القرار بلا منازع؟ هذا السؤال لم يأت من فراغ، بل من النتائج اللافتة التي حققها حزب تقدم في أغلب المحافظات السنية، حيث خرج الحزب بنحو 30 مقعداً وبمجموع أصوات تجاوز 945 ألف صوت، متقدماً على منافسين تاريخيين وفاعلين تقليديين داخل الساحة.
الأرقام تستحق الوقوف عندها
في بغداد، سجل حزب تقدم 284,035 صوتاً، وهو رقم ثقيل يضعه على رأس القوى السنية داخل العاصمة. وفي نينوى، المحافظة الأكبر سنيا، حصد الحزب 157.283 ألف صوت، بينما حصل في الأنبار – معقل الحلبوسي السياسي – على 212.489 صوتاً. أما صلاح الدين فسجل فيها 82.729 صوتاً، وفي ديالى 101.602 صوت، وفي كركوك 107.016 صوتاً. هذه الخريطة الرقمية تعطي تصورا واضحا عن انتشار الحزب داخل محافظات متعددة، وليس ضمن معقله التقليدي فقط.
لكن، هل تكفي هذه الأرقام للقول إن الحلبوسي أصبح المتحكم الوحيد بالمشهد السني؟
المحلل السياسي عادل العماش يؤكد أن الإجابة ليست بهذه البساطة. فبرغم القوة التصويتية اللافتة التي حصل عليها الحزب، إلا أن القول بتفرد الحلبوسي بقيادة المكوّن السني “غير دقيق” بحسب وصفه.
ويرى العماش في حديث لـ”عراق اوبزيرفر”، أن التمثيل السني في العراق لم يعد يُدار من خلال زعامة فردية أو قوة واحدة، مهما بلغت أصواتها، لأن البنية السياسية للمحافظات السنية أصبحت أكثر تشعبًا، وأكثر خضوعًا للنفوذ المحلي والارتباطات القبلية وشبكات المصالح المتداخلة.
ويشير العماش إلى أن ما حصلت عليه تقدم من أصوات ومقاعد جاء نتيجة عمل سياسي وانتخابي ممنهج داخل قواعدها الشعبية، وليس بسبب فراغ سياسي كان يمكن للحزب أن يملأه بسهولة. فالساحة اليوم – وفق تحليله – تشهد تعددا في مراكز التأثير، سواء عبر شخصيات محلية داخل المحافظات، أو عبر قوى سياسية أخرى تمتلك حضورا لا يمكن تجاوزه، رغم عدم حصولها على أصوات تعادل ما حصلت عليه تقدم.
ويضيف أن مشهد ما بعد الانتخابات يقوم على تحالفات متغيرة وتفاهمات مرحلية، وليست هناك قوة سنية قادرة على فرض قرار مركزي على باقي الفاعلين. فالمحافظات السنية تختلف في تركيبتها ومطالبها وحتى اتجاهات جمهورها، ما يمنع وجود قيادة أحادية مهما كانت قوية انتخابياً.
كما يلفت العماش إلى أن القياس بعدد الأصوات وحده لا يعكس القدرة الحقيقية في قيادة المكون، لأن العمل السياسي داخل العراق يتطلب مهارات تتجاوز الفوز بالمقاعد: مثل إدارة الحوارات، القدرة على خلق تحالفات مستقرة، تقديم مشروع سياسي متماسك، والاستجابة لمتطلبات الشارع المحلي في كل محافظة. وهذه العناصر – برأي العماش – هي المعيار الفعلي لقيادة المشهد، وليس مجرد التفوق العددي.
في المحصلة، تكشف أرقام الحلبوسي عن واقع انتخابي مهم ومؤثر، لكنها لا ترسم وحدها ملامح القيادة السنية المقبلة. فالمشهد اليوم مبني على تشظ سياسي، وتوازنات دقيقة، ومنافسة مستمرة بين قوى متعددة، ما يجعل أي محاولة لاحتكار القرار السني مشروعاً صعبا في بيئة تتغير فيها التحالفات وتتبدل فيها المواقف بصورة متسارعة.




