
بغداد/ عراق أوبزيرفر
يفتح مشروع قانون استرداد عائدات الفساد والمساعدة القانونية الدولية مساراً جديداً أمام العراق لملاحقة الأموال العامة المهربة إلى الخارج، في محاولة للانتقال من ملاحقات متفرقة إلى منظومة قانونية تنظم عمليات التعقب والحجز والتجميد والمصادرة، وتمنح بغداد أدوات أوسع للتعاون مع الدول التي توجد فيها أموال أو ممتلكات مرتبطة بجرائم فساد.
ويأتي المشروع في وقت لا تزال فيه ملفات الأموال المهربة تمثل واحدة من أعقد القضايا التي تواجه مؤسسات الدولة، بسبب انتقال العائدات غير المشروعة إلى حسابات وشركات وعقارات خارج البلاد، فضلاً عن اختلاف القوانين بين الدول وصعوبة تنفيذ الأحكام العراقية خارج الحدود.
ويستهدف القانون، بحسب ما يتضمنه المشروع، وضع آليات واضحة لاسترداد الأموال والعائدات الناتجة عن جرائم الفساد، بما في ذلك الممتلكات التي جرى تحويل الأموال إليها، مع تعزيز إجراءات الكشف عن الأموال والأرصدة المرتبطة بالمسؤولين المشمولين بالقانون، الأمر الذي قد يوسع نطاق التحقيقات المالية في قضايا الفساد الكبرى.
ويقول الخبير القانوني علي التميمي لـ”عراق أوبزيرفر” إن أهمية المشروع تكمن في توحيد الإجراءات التي تتوزع حالياً بين قوانين متعددة”، مبيناً أن “وجود إطار تشريعي واحد يمكن أن يمنح الجهات المختصة قدرة أكبر على التعقب والتجميد والمصادرة، بدلاً من معالجة كل ملف وفق مسارات قانونية مختلفة”.
وأضاف أن “أهمية المشروع لا تقتصر على الجانب القانوني، إذ إن استعادة الأموال المنهوبة يمكن أن توفر مورداً إضافياً للخزينة العامة، خصوصاً في ظل التقديرات التي تتحدث عن أموال كبيرة خرجت من العراق خلال السنوات الماضية، فيما لا تزال القيمة الحقيقية للأموال القابلة للاسترداد موضع اختلاف بين الجهات والتقديرات”.
وتواجه عملية الاسترداد في الخارج عقبات أكثر تعقيداً، إذ تشترط دول عديدة وجود أحكام قضائية نهائية أو استيفاء متطلبات قانونية محددة قبل تجميد الأموال أو مصادرتها، كما أن غياب الاتفاقيات الثنائية أو بطء إجراءات المساعدة القانونية قد يطيل أمد الملفات لسنوات. الشركات الوهمية
ويزداد التعقيد عندما يجري إخفاء الأموال عبر شركات وهمية أو تسجيل العقارات والممتلكات بأسماء أشخاص آخرين، ما يتطلب تتبع حركة الأموال وإثبات صلتها بالجريمة الأصلية، إلى جانب الاستعانة بمحامين وإجراءات قضائية داخل الدولة التي توجد فيها الأصول.
وبالتوازي مع ذلك، يثير المشروع تساؤلات بشأن الضمانات التي تحول دون استخدام ملف استرداد الأموال في الصراعات السياسية، خصوصاً مع اتساع دائرة الشخصيات والجهات التي قد تخضع للتحقيق، وهو ما يجعل استقلال القضاء ووضوح معايير الاتهام والمصادرة والتسوية عوامل أساسية في نجاح القانون.
ويرى مختصون أن نجاح التشريع لن يقاس بمجرد إقراره، وإنما بحجم الأموال التي ستتمكن الدولة من استعادتها فعلياً، وقدرتها على تحويل الملف من إجراءات قانونية متأخرة إلى سياسة مستمرة لملاحقة الأموال المنهوبة داخل العراق وخارجه
وبذلك، يضع المشروع الدولة أمام اختبار مزدوج، يتمثل الأول في بناء منظومة قانونية قادرة على اختراق التعقيدات التي تحيط بالأموال المهربة، فيما يتعلق الثاني بقدرة المؤسسات العراقية على حماية الملف من التسييس وضمان وصول الأموال المستردة إلى الخزينة العامة، بما يعزز الردع ويعيد جزءاً من الثقة بإجراءات مكافحة الفساد.




