
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تشهد السياسة المالية في العراق خلال الأشهر الأخيرة اتجاهاً متصاعداً نحو توسيع قاعدة الرسوم والضرائب، في محاولة لتعزيز الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد شبه المطلق على عوائد الخام، التي ما تزال تمثل أكثر من 90% من موارد الموازنة العامة.
وهذا التوجه، الذي تبرره الحكومة بالحاجة إلى تنويع مصادر الدخل ومعالجة الاختلالات المالية، ترافق مع فرض أو إعادة تفعيل جملة من الاستقطاعات التي تمس قطاعات خدمية واسعة الاستخدام، ما فتح باباً واسعاً للنقاش بشأن طبيعة الإصلاحات المطلوبة، وحدود قدرة المواطن على تحمّل كلف إضافية في ظل أوضاعٍ معيشيةٍ ضاغطة.
في قلب هذه الموجة، برز قرار إعادة استقطاع نسبة 20% من أسعار باقات الإنترنت وخدمات الاتصالات، والذي دخل حيز التنفيذ اعتباراً من 23 شباط 2026، استناداً إلى توجيه رسمي من وزارة الاتصالات لشركات الخدمة، مع نص واضح باحتساب النسبة على كل مستخدم فعال من سعر بيع الباقة.
وبحسب الأسعار المتداولة، فإن الاشتراك الذي كان يبلغ 35 ألف دينار ارتفع إلى نحو 47 ألفاً، فيما صعد اشتراك 45 ألف دينار إلى 54 ألفاً، بينما اقتربت بعض الباقات الأعلى من حاجز 156 ألف دينار، في وقت باتت فيه خدمات الإنترنت جزءاً أساسياً من العمل والتعليم وإدارة الأنشطة اليومية.
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي والأكاديمي عبدالحسن الشمري في تصريحٍ لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الضرائب التي تُفرض حالياً على المواطنين تشكل ضغطاً إضافياً لا يمكن تحمله، خصوصاً أن الموظفين والكسبة والمتقاعدين يعانون أصلاً من تضخمٍ مستمرٍ ودخولٍ ثابتةٍ لا تتناسب مع ارتفاع الكلف”.
وأوضح أن “إعادة فرض الضريبة على كلف الاتصالات والإنترنت تعني عملياً تحميل المواطن أعباء جديدة، في وقت لا تزال فيه ملفات الهدر وسوء الإدارة قائمة، وكان من الممكن أن تغطي الموارد المتاحة احتياجات الدولة لو جرى التعامل معها بكفاءة أعلى”.
وأشار الشمري إلى أن “الاعتماد على الرسوم الاستهلاكية كحل سريعٍ لسد العجز قد يفاقم حالة الاحتقان الاجتماعي، لأن الاتصالات لم تعد خدمة ترفيهية بل أداة أساسية للعمل والتعليم وإدارة المصالح اليومية”.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن متوسط الرواتب الشهرية للعراقيين يقل عن 750 ألف دينار، في مقابل ارتفاعٍ متواصل في كلف الإيجارات والطاقة والنقل والخدمات، ما يجعل أي زيادة في الرسوم عبئاً مضاعفاً على الموازنة الأسرية.
ولا يتوقف الجدل عند نسبة الـ20% بحد ذاتها، بل يمتد إلى فلسفة السياسة المالية المتبعة، وما إذا كانت الدولة تتجه نحو إصلاح هيكلي طويل الأمد يعيد ترتيب أولويات الإنفاق وضبط الهدر، أم أنها توسع قاعدة الرسوم الاستهلاكية باعتبارها الخيار الأسهل تحصيلاً في المدى القصير.




