
بغداد/ عراق أوبزيرفر
رأى مختصون أن حريق الكوت الكارثي الذي أودى بحياة العشرات، أعاد إلى الواجهة قصور العراق المزمن في امتلاك أدوات متطورة لمكافحة الحرائق، سواء عبر الجو أو من خلال معدات حديثة ميدانيًا، ما يثير تساؤلات حول خطط الطوارئ وقدرة الدولة على حماية أرواح المواطنين في الكوارث.
ووفق مشاهد من موقع الحريق الذي اندلع في مجمع تجاري بمدينة الكوت مساء 16 يوليو/تموز، فإن عمليات الإنقاذ تمت بأدوات “بدائية”، واعتمدت بشكل رئيس على تبرعات من مواطنين، من بينها معدات إنشائية قدّمها صاحب شركة بناء.
ولم تصل أي طائرات مسيرة أو مروحية أو دعم جوي من بغداد، رغم استمرار الحريق لساعات وسقوط عشرات الضحايا، كما لم تُسجَّل أي مشاركة لفرق متخصصة من العاصمة، في وقت كانت فيه فرق الدفاع المدني المحلية تعاني من ضعف الإمكانات وانعدام التهوية والإنارة داخل المبنى.
الخبير في مجال الطيران، فارس الجواري، قال إن “معظم دول العالم، بل جميعها، تمتلك طائرات خاصة بمكافحة الحرائق ضمن تشكيلات وزارة الداخلية أو الدفاع المدني، وتكون هذه الطائرات جزءًا من خطط استراتيجية تُقرها إدارات الأزمات والكوارث”.
وأضاف الجواري لـ”عراق أوبزيرفر” “حتى في إقليم كردستان العراق توجد طائرات مخصصة لهذا الغرض، وهي مروحيات صغيرة لكنها فعالة، وتدخل ضمن خطط الإطفاء الجوي”.
وأوضح أن هناك نوعين من الطائرات المخصصة لمكافحة الحرائق: الأول ذات الجناح الثابت (مثل طائرات الركاب) لكن يُخصص جزء من مقصورتها ليكون خزّانات للماء، وتُملأ هذه الخزانات من المسطحات المائية، وتُستخدم في الحرائق الكبرى. أما النوع الثاني فهي مروحيات (هليكوبتر) تُستخدم على نطاق أضيق لكنها أكثر مرونة.
وبيّن أن “وزارة الداخلية العراقية كان من المفترض أن تمتلك طيران شرطة يشمل طائرات لإطفاء الحرائق، وفق مخطط موجود منذ سنوات، لكن هذا الملف لم يُفعَّل، ولم يُشترَ أي أسطول جوي حتى الآن”.
وأكد الجواري أن “كلفة شراء مثل هذه الطائرات ليست مرتفعة، وهي ضمن إمكانيات موازنة وزارة الداخلية، وكان يمكن على مدى السنوات الماضية توفير أسطول فعال منها”، متسائلاً عن سبب الإهمال قائلاً: “هذا سؤال مشروع يجب أن يُطرح على المسؤولين في وزارة الداخلية”.
وفي مسعى لتطويق آثار ما حصل، أعلنت مديرية الدفاع المدني، تعاقدها على شراء طائرتين تستخدم في أطفاء الحرائق سيتم تسلمها من كوريا الجنوبية في شهر تشرين الاول المقبل.
كم الكلفة إذن؟
وبحسب تقارير، فإن كلفة طائرة متوسطة الحجم مخصصة للإطفاء (مثل Air Tractor AT-802) تتراوح بين 5 إلى 7 ملايين دولار، بينما تبلغ كلفة المروحية المتخصصة من طراز Bell 412 نحو 8 ملايين دولار، وهي أرقام لا تُعد مرتفعة مقارنة بميزانية الوزارة السنوية التي تتجاوز مليارات الدولارات.
ويشير مختصون إلى أن العراق، الذي يعاني من الحرائق المتكررة في الأسواق والمستشفيات والغابات، ما زال يعتمد على آليات قديمة وشاحنات صغيرة لا تكفي للتعامل مع حرائق واسعة النطاق.
وبحسب إحصاءات رسمية، فإن الدفاع المدني سجّل أكثر من 21 ألف حادث حريق في عام 2024 وحده، معظمها في مناطق مأهولة وأسواق شعبية، ما يجعل الحاجة إلى تطوير أدوات الإطفاء ضرورة عاجلة لا مسألة ثانوية.
وكان رئيس الوزراء محمد شياع السوداني قد أمر بتشكيل لجنة تحقيق في حريق الكوت، إلا أن متابعين يخشون أن تلقى نتائجها المصير ذاته الذي عرفته لجان التحقيق في كوارث سابقة مثل مستشفى ابن الخطيب ومجزرة الحمدانية.
وتُوجَّه انتقادات متكررة إلى آلية تخصيص الأموال ضمن الموازنات الاتحادية، حيث يُهمَل ملف الدفاع المدني، ولا يُدرج ضمن أولويات الصرف، في حين تُمنح أولوية للقطاعات الأمنية والعسكرية.
ويحذّر مختصون من أن غياب المعدات الحديثة يُعرّض أرواح العراقيين إلى الخطر مع كل موجة حر أو تماس كهربائي أو حريق ناتج عن خلل في الأبنية، داعين إلى إنشاء صندوق طوارئ خاص بالكوارث وتطوير البنية التحتية للاستجابة السريعة.
وبينما تنتظر عائلات الضحايا في الكوت نتائج التحقيق، يبقى السؤال مطروحًا، عن حجم الكوارث التي يحتاجها العراق حتى يفكر بشراء طائرة إطفاء.




