
بغداد / عراق أوبزيرفر
لم يعد الحديث عن استيرادات الذهب العراقية من دولة الإمارات مجرّد أرقام مالية أو بيانات إحصائية جافة، بل تحوّل إلى لغز اقتصادي وسياسي معقد، يثير الكثير من الشكوك حول مصادر التمويل، والجهات التي تقف وراء هذه التجارة المثيرة للجدل، وأيضًا حول مصير تلك الكميات الضخمة من المعدن النفيس التي تغرق الأسواق العراقية.
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن جهاز الإحصاء الإماراتي إلى أن صادرات الإمارات إلى العراق في عام 2024 بلغت نحو 33 مليار دولار، منها 12.8 مليار دولار معادن ثمينة أغلبها ذهب، وهو ما يعادل قرابة 40% من مجمل واردات العراق من الإمارات.
وبالمقارنة مع عام 2023، الذي لم تتجاوز فيه صادرات الذهب إلى العراق 3.2 مليار دولار فقط، فإن القفزة تبدو غير مفسَّرة على نحو منطقي. هذا الارتفاع المفاجئ وضع علامات استفهام كبرى أمام الخبراء الاقتصاديين والمراقبين، ودفعهم للتساؤل: من أين جاءت هذه المليارات؟ وهل دخلت بالفعل عبر القنوات الرسمية الخاضعة لرقابة البنك المركزي العراقي، أم جرى ضخها من خارج المنظومة المصرفية؟
الذهب كعملة بديلة للتسويات
الخبير الاقتصادي منار العبيدي يرى أن جزءًا من الإجابة يكمن في الدور المتنامي للذهب كأداة بديلة للتسويات المالية بين العراق وبعض الدول التي يواجه التعامل معها قيودًا مصرفية. فبدلًا من تحويلات الدولار الصعبة والمعقدة، يتم اللجوء إلى استيراد الذهب الذي يمكن إعادة تسييله بسهولة، أو استخدامه في عمليات تبادل تجاري يصعب تتبّعها.
ويضيف العبيدي أن استخدام الذهب لم يعد مجرد مسألة ادخار أو رفاهية استهلاكية، بل تحوّل إلى قناة شبه رسمية للتعاملات التجارية غير التقليدية. ومع ذلك، فإن الحجم الضخم للاستيرادات خلال 2024 – حيث بلغت قيمتها أكثر من 12 مليار دولار – يطرح إشكاليات كبيرة، خصوصًا أن هذا الرقم يعادل أكثر من 12% من إجمالي استيرادات العراق الكلية لذلك العام.
التمويل المجهول ومخاطر غسيل الأموال
من جانبه، يذهب الخبير الاقتصادي ضياء الأُزيرجاوي إلى أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن جزءًا من عمليات شراء الذهب قد جرى بتمويل مجهول المصدر، وربما تم عبر قنوات غير مصرفية، ما يثير شبهات حول تهريب الدولار وغسيل الأموال.
ويقول الأُزيرجاوي لـ “عراق اوبزيرفر”، إن بعض الشركات الوهمية، أو تلك التابعة لجهات متنفذة، قد تكون وراء هذه العمليات، حيث يتم استيراد الذهب بطرق ظاهرها قانوني لكن باطنها مخصص لتدوير الأموال أو إخراج العملة الصعبة بوسائل ملتوية.
ويضيف أن اللجوء المتزايد للمواطنين العراقيين لشراء الذهب كملاذ آمن لحفظ المدخرات ساهم بدوره في رفع حجم الطلب، لكنه لا يفسّر وحده القفزة غير المسبوقة في الاستيرادات. فحتى مع زيادة الطلب المحلي، يبقى السؤال: كيف يمكن تبرير استيراد أكثر من 24 طنًا خلال عام واحد فقط، بينما لم يتجاوز إجمالي الاستيرادات في السنوات السابقة جزءًا يسيرًا من هذا الرقم؟
أرقام حكومية تكشف جزءًا من الصورة
وزارة التخطيط العراقية أعلنت في 14 أيلول الجاري أن العراق استورد 28 طنًا و298 كغم من الذهب عبر مطاري بغداد والنجف، خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول 2023 وحتى نهاية كانون الأول 2024.
وبيّنت الوزارة أن الكميات المستوردة في الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2023 بلغت نحو 4 أطنان، فيما تجاوزت استيرادات 2024 وحدها 24 طنًا.
وبحسب رئيس الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، الدكتور فياض الدليمي، فقد جرى فحص جميع الكميات المستوردة ووسمها في وحدات خاصة أقيمت في المطارين، مما أسفر عن تحقيق إيرادات مالية بلغت أكثر من 5.5 مليار دينار. لكن هذه الإجراءات الفنية والرقابية لم تُجب عن السؤال المركزي: لماذا ارتفعت الكميات بهذا الشكل المفاجئ؟ ومن أين جرى تمويلها؟
التراجع المفاجئ في 2025
المثير للاهتمام أن بيانات الربع الأول من 2025 أظهرت انخفاضًا حادًا في صادرات الذهب الإماراتية إلى العراق بنسبة 52% مقارنة بالفترة نفسها من 2024.
هذا التراجع المفاجئ يثير المزيد من الشكوك حول طبيعة القفزة السابقة، ويطرح فرضية أن جزءًا من تلك الاستيرادات لم يكن مرتبطًا بالطلب المحلي الحقيقي، بل ربما بعمليات تسوية تجارية أو مالية استثنائية انتهت أسبابها مع بداية العام الجديد.
في ضوء هذه المعطيات، تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة أتمتة قطاع الذهب في العراق بالكامل، ومنع التعامل فيه إلا عبر قنوات دفع إلكتروني مراقبة، بما يتيح تتبع حركة البيع والشراء، ومعرفة المستفيدين النهائيين من الكميات المستوردة. فمثل هذا النظام يمكن أن يقلل من احتمالات استخدام الذهب في عمليات مشبوهة، ويمنح السلطات المالية القدرة على ضبط هذا القطاع الحيوي.




